هل يمكن التخمين أن الرسوم الأولى التي وجدت على جدران الكهوف، هي رسائل موجهة؟ لم لا طالما أن الرسوم وضعت للآخرين، بهدف التحذير من خطر حيوان مفترس، أو ما شابه، مهما كان التاريخ الذي حددت فيه الرسائل.
لكن كأي شيء آخر تطورت مع الزمن بتطور التقنيات المتاحة، فمن الكتابة على جلود الحيوانات إلى الورق، ومن إرسالها عن طريق الحمام الزاجل إلى البريد العادي ومن ثم البريد الالكتروني الذي ألغى معه كما يعتقد الرومانسيون كل ما تملكه الرسائل من حميمية وشعور مادي بلون الورق، ورائحته، وشكل الكلمات التي تعبر عن مدى جمال خط من كتبها. مهما يكن تبقى للرسائل خصوصية لا يمكن الاستهانة بها منها من يخاطب الأشخاص بشكل عادي ومنها من يخاطب الرؤساء والملوك، فلكل رسالة هدف.
الحمام الزاجل : استخدم الحمام الزاجل رسميا في نقل البريد عام 1150 في بغداد أثناء حالات الحصار بين القوات المتحاربة، حيث استخدمه العرب في العام 1871، وعندما تم حصار باريس لعدة أشهر، وحقق استخدام الحمام الزاجل النجاح بنسبة 99%. ويعبر عن أهمية الحمام الزاجل في الوقت الراهن من خلال بعض التقاليد إذ يحرص القائمون على مقر الاتحاد الدولي للحمام الزاجل على تنظيم سباقات له في بلجيكا. وهناك يتم التزاوج بين الحمام للجمع بين السرعة، وخفة طيرانه، ويستعان بهذه الحالة بنوع من الحمام البلجيكي المسمى «سمبرل» الذي يتميز بالأعين الواسعة ذات الجفون الرقيقة. وفي مصر ينظم سنويا 14 سباقا محليا للحمام الزاجل أشهرها «سباق النيل» الذي يشبه سباق النقطة الواحدة في بلجيكا. وكان قد بدأ الاستعانة بالحمام الزاجل عن طريق عثمان باشا الذي كان يربي نوعا من الحمام الزاجل تشبه التي كان يربيها أحد الهواة الانجليز أثناء وجوده في مصر، ولهذه السلالة أهمية تاريخية، خاصة وأنها استخدمت أثناء الحرب العالمية الثانية.
البريد : مع وجود الرسائل وانتشارها، تأسس البريد وتطور إلى أن أصبح كما يعرف في الوقت الحالي، ولكلمة «بريد» أصول اختلف اللغويون في جذورها، فقيل انها عربية، إذ روي أن الزمخشري قال إن كلمة بريد تعني الرسول المستعجل والجميع أعربوا أنها «الرسول» ومنهم المصباح المنير - محيط المحيط للبستاني أما دار المعارف الإسلامية فقد جاء بها أن كلمة بريد عربية وقد استعيرت من الكلمة اللاتينية « فنديوس» ومعناها دابة البريد أو ناقل البريد. وكان من عادات ملوك فارس أن يقطعوا ذيول الدواب التي تنقل البريد لتمييزها عن غيرها، وكانوا يسمونها بريدة. أما تاريخ البريد فهو تاريخ طويل، وكان العرب سابقاً يتراسلون بين بعضهم البعض بطرق مختلفة إما على قوالب من الطين أو على ألواح من الخشب أو على سعف النخيل أو على ورق البردي وإما عن طريق الحمام الزاجل أو رسل من البشر مشاة أو متنقلين على الحمير أو الجياد.
وكان القدماء المصريين يكتبون وينقشون الرسالة على قوالب من طين ثم تُحرق هذه القوالب ولضمان سرية هذه الرسالة كانت توضع في غلاف من كيس من نفس النوع يكسره المرسل إليه لكي يقرأ الرسالة ثم أخذوا يكتبون على الجلود بعد دبغها وعلى لحاء الشجر ثم على ألواح الخشب المكسوة على طبقة من الشمع ثم لفائف البردي. كما استعملوا أقلاماً دببوها وغمسوها في مداد أسود كانوا يصنعونه من الصمغ والهباب وأحياناً يكتبون رسائلهم بالمداد الأحمر.
بينما كانت المراسلات متطورة في عهد الخلفاء الراشدين الذين استطاعوا في عاصمة الدولة في المدينة المنورة أن يطلعوا على كل ما يحدث في الأمصار الإسلامية، والمعارك التي يخوضها الجيش الإسلامي وكثيرا ما زف البريد نتائج معركة القادسية واليرموك إلى الخليفة بالمدينة المنورة.
وفي العصر الأموي ومع اتساع الرقعة الإسلامية استخدم البريد على نطاق اوسع وأشمل وأول من وضع نظاماً للبريد معاوية بن أبي سفيان وكان مركز البريد في مدينة البصرة التي تبعد ثلاثة أيام عن مكة المكرمة وقد بلغ عدد محطات البريد في ذلك الوقت تسعمئة وخمسين محطة وُضعت فيها الجياد القوية والسريعة لنقل الرسائل. فتوصل هذه الرسائل من محطة إلى محطة تلو الأخرى.
ثم قام عبدالملك بن مروان بتنظيم البريد وعمل جناح المسلمين، ووضع العناوين على الطرق وإشارات تحدد المدن ومسافاتها واتجاهاتها، ووصل في عهده أقصى ازدهار إلى أن تدهور في عهد مروان بن محمد حتى وصل عهد هارون الرشيد حيث وصل عنوان ازدهاره، واتسعت مهام البريد ومنها مراقبة الولاة والتجسس على أعداء الدولة والزيادة في الأسعار جميعها تنقل إلى الخليفة. أما أبو جعفر المنصور فقد كان اهتمامه الأول والأخير بالبريد وكان مغرماً بالبريد وإيصال الأخبار أولا بأول.
وفي عهد المماليك ازدهر البريد وبلغ ذروته ولا سيما زمن بيبرس إذ عرفوا البريد الجوي عن طريق الحمام الزاجل، وكان للبريد الجوي أبراج وكانت أبراج الحمام الزاجل المنتشرة تزيد عن البريد البري في المسافات ويتوالى الحمام الزاجل في نقل البريد بينهما من برج إلى برج آخر.
وكانت الرسالة تُكتب من صورتين ترسلان مع حمامتين تنطلق الأخرى بعد الأولى بعد ساعتين من انطلاق الأولى ويطلق في الجو الماطر وكان يتميز عن باقي الحمام الآخر بوضع علامات معروفة على منقاره أو قص بعض من ريشه وكان يستعمل مع الحمام الزاجل ورق بريد خاص فكان يكتب بالموجز والتاريخ والمطلوب فقط مثل البرقيات في وقتنا الحاضر وكانت رؤوس الجبال تستخدم مراكز لنقل الأخبار عن طريق إشعال النار ودخانها وأخذ البريد يتدرج يومياً حتى أصبح التطور الذي نعيشه اليوم.
ومع تقدم تطور المجتمعات أصبحت الرسائل الحديثة تُكتب على الورق فتغيرت نظم البريد واستخدمت الطوابع، كما سخرت تقنيات أخرى لذات الغرض مثل الفاكس أو الإنترنت وغيرها.
تاريخ البريد الالكتروني
ظهرت المراسلات عبر أجهزة الحاسب في العام 1971 بفضل جهود المهندس الأميركي روي توملينسون، الذي تمكن في ذلك العام من ارسال ملفات عبر شبكة محلية بدائية إلى جهاز آخر، وقام المهندس بعد ذلك بتطوير برنامج آخر يتيح إرسال الرسائل إلى أشخاص آخرين عبر صناديق بريدية الكترونية ليقوم بعدها بتحقيق انجازه الفعلي عندما وضع علامة @ لتخصيص اسم المرسل أو المستخدم المراد ارسال الرسائل الاكترونية اليه.
و يعتبر العام 1989 عاما حاسما في تاريخ نشر خدمة البريد الاكتروني بشكل تجاري منظم للمشتركين، وكانت شركتا «إم سي آي» و«كمب سيرف» أولى الشركات المقدمة للخدمة. و في العام 1993 قامت شركة «أميركا أون لاين» وشركة «ديفلي» بربط خدماتها البريدية عبر الإنترنت لتحول هذه الشبكة البريدية إلى وسيلة للاتصال.
رسائل الرسول الكريم
أرسل الرسول « صلى الله عليه وسلم » عددا محددا من الرسائل للفرس والروم والشام ومصر والحبشة والبحرين، وعمان، ونجران، وأوصل الرسول «صلى الله عليه وسلم». رسائله بأرقى تقنيات عصره، وهي رسالة على جلد بمواصفات معينة يحملها «فارس» بموصفات معينة على حصان بمواصفات معينة، ويعتبر حامل الرسالة من أرقى الفوارس الذين يشرفون بلادهم زيا، وفصاحة ووسامة، ونسبا، ودهاء، ومن خلال رسائل الرسول الكريم (ص) انتشرت الدعوة عالميا، أي دعوة الناس للإسلام.
من طرائف البريد
* كان القدماء يكتبون بالحليب في الرسائل السرية فلا يظهر له أثر فإذا ذروا عليه رمادا ساخنا من رماد القراطيس المحروقة ظهرت الكتابة في الحال
* وكانوا يكتبون بمرارة السلحفاة فلا تقرأ الكتابة نهارا ولكنها تقرأ في الليل بكل وضوح
* كان بعض القادة غلاظ القلوب يستخدمون الرؤوس البشرية في كتابة الرسائل، يحلقون شعر الرسول ثم يكتبون عليه الرسالة بالوشم ويتركون الشعر ليطول أو يغطون الرأس بشعر مستعار، ثم يرسلونه وعندما يقرأون الرسالة المكتوبة على الرأس يقطعونه!!
* يروي المقري أن أحد المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء إن قرأت في ضوء السراج كان لونها فضيا وإن قرأت في الشمس كان لونها ذهبيا وإن قرأت في الظل كان حبرا أسود !
عبير يونس



