من منا لم تفارق ذاكرته كلمات «صلاح جاهين» التي وصف بها مظاهر الموالد في رائعته العالمية «الليلة الكبيرة» ومن منا حتى الآن لم يتمايل مع ألحان سيد مكاوي الذي طوع ولحن كلمات «صلاح جاهين»، ليبدعا معاً أوبريت «الليلة الكبيرة» ابطالها من العرائس التي تحكم في تحريكها المبدع الفنان «ياسين السقا» الذي اشتهر بتجسيد فن العرائس المتحركة المعروف عالمياً بإسم «الماريونيت».
نعم جميعنا في طفولتنا المبكرة استمتع بهذه الأوبريت وعاش تفاصيل ومفردات ومشاهد من الموالد المصرية على امتداد القاهرة وكل المحافظات، وحتى الآن نصحب أولادنا وأحفادنا لمسرح العرائس ودار الأوبرا المصرية لمشاهدة الأوبريت في عروضها كل حين وغالباً التي تتزامن مع الموالد الشهيرة، نختزل سنوات العمر، فنجد أنفسنا صغاراً تتطاير ضحكاتنا وتمتزج مع الأولاد والأحفاد، ونغني معهم مقاطع من الأوبريت.. «قُبة سيدنا الوالي دول نوروها». و«الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كثيرة.. ما ليين الشوادر يابا من الريف والبنادر».
ونستشعر مذاق المأكولات الشعبية التي تقدم في الموالد من وحي الأوبريت، عندما ينادي الباعة: «السمك مقلي كل وبرق لي.. صنف زي الفل» «حُمص.. حمص عَمّال يرقص ويقول.. اللي شاف حمص ولا كالشي زي اللي حب ولا طالشي».. والكثير من أغاني الموالد التي حفرت صوتاً وصورة في تكوين ذاكرتنا وذاكرة أجيال لم تتحكم وقتذاك في حياتها وفطرتها كبسة زر.. ولا برمجة ولا طفولة معلبة»!
المولد عالم مثير ملون مزدحم، يعكس ثقافات شعبية متعددة كالغناء والمأكولات والتجارة التي يسمونها داخل الموالد «بتجارة البركة»، أي ان البركة هي التي تتحكم في السعر وليس البائع والمشتري.. رياضة وزحمة وناس ودنيا، يتبارون في فن التصويب «النشان» ويفرحون بما يكسبون عندما ينجحون فيه، فيكسبون زجاجة عطر، أو مجموعة من «الفوانيس» الفالصو، أو قرط حلق مخرطة» أو خلخال يزين ويبرز جمال سيقان الصبايا الملتفات في «الملاية البلدي» والبرقع الذي تبرز من ورائه عيون كحيلة برموش قادرة على إرسال مئات الرسائل في صمت.
وأشهر الموالد التي يحتفل بها في مصر المولد النبوي الشريف، يليه مولدا سيدنا الحسين والسيدة زينب «أم هاشم» وتعكس الإحصائيات الحديثة إن هناك ما لا يقل عن مليوني فرد يحتفلون بمولدي السيدة زينب وأخيها سيدنا الحسين في القاهرة، بخلاف الموالد الأخرى والتي تقدر بحوالي 2800 مولد في المدن والقرى المصرية. ومن الموالد الشهيرة أيضاً في مصر مولد السلطان أبو العلا وإبراهيم الدسوقي والسيد البدوي بطنطا والسيدة عائشة والإمام الشافعي.
والموالد تظاهرة تعكس ثقافة العامة وفنوناً شعبية ومأكولات تراثية.. الألوان وأصوات الموسيقى والطبول والرقص والبيع والشراء.. مفرداات الموالد، فأكثر ما يباع في المولد الاكسسوارات الفالصو أو المطلية بقشرة ذهبية رقيقة والخلاخيل الفضية، ومنديل الرأس، المصري الصميم الذي تزينه حلقات مستديرة ذهبية اللون وخيوط ملونة، ترتديه «بنت البلد» ليبرز المزيد من جمالها الشرقي، وهذا المشهد من أجمل المشاهد في السينما المصرية في فيلم «البيضة والحجر» بطولة أحمد زكي ومعالي زايد التي برعت طوال مشوارها الفني ومازالت، تجسد شكل ومضمون «بنت البلد» المصرية.
مراجيح ملونة يزدحم أمامها الأطفال، ليطيروا في الهواء فرحين تتعالى صيحاتهم، ثم يحطون مرة أخرى برحالهم على الأرض، ليبدأوا جولة أخرى في تناول شطائر السجق الساخنة أو السمك المقلي «كل وبرق لي» أو يبردون على قلوبهم بأقماع من البسكويت المحشوة بالآيس كريم، أو يهرولون وراء بائع غزل البنات الذي يستخدم «زمارة» طويلة الشكل تصدر صوتاً حاداً لجذب الصغار الذين يفلتون من أيدي أهلهم، وتكون المشكلة، يتوهون وسط الزحام، وهو مشهد جسدته «الليلة الكبيرة» عندما ضاعت الصغيرة من أمها التي ترتدي الملاية اللف السوداء ودموع على وجنتيها اختلطت بالكحل وهي تقول: «ياولاد الحلال.. بنت تايهة طول كده.. رجلها الشمال فيها خلخال زي ده.. وتظل تنادي وموسيقى حزينة تحاكي نبرة صوتها، وخيوط الفجر في خلفية المسرح وكأنها تنهي الليلة.
وربما استوحى فيلم «المولد» للفنان العبقري عادل إمام مشهد ضياع الصغار في زحام المولد، ليتلقطه أحد المارة في المولد ليأخذه لزوجته التي لم ترزق بالذرية، ويعيش مع هذه الأسرة.. وتتوالى الأحداث. رائحة الطعام الموجود في الموالد مميزة، تختلط رائحة السجق «والممبار» (أكلة مصرية شعبية تشبه السجق ولكنها تحشى بالأرز والخضرة وتحمر في السمن البلدي). تختلط رائحتها الذكية بالكوارع والفول النابت داخل الأرغفة المصرية المصنعة من الردة.
وغالباً ما تظهر سيارة فارهة ينزل منها سائق بزي رسمي وفي يده كيس بلاستيكي عملاق به أرغفة اللحم المسلوق والأرز ليوزعها على «الغلابة» الذين يشكلون معظم النازحين إلى ساحات الموالد، وبداخل السيارة الفارهة «الست هانم» في كامل أناقتها ترمق من بعيد المشهد كله، وتقوم بعمل الخير هذا منذ أن أوصتها جدتها الا تقطع هذه العادة التي كانت تقوم بها الجدة مصطحبة في يدها تلك السيدة الانيقة عندما كانت صغيرة وتصّر على شراء غزل البنات وسندوتشات الكفته فتكون النتيجة درساً في الأخلاق والاتيكت تسرده الجدة علي مسامعها، وتعدها بأن «الأسطى عبده» الطباخ سيحضر لها كل ما تريد.. ولكن يبدو إن «عبده كفته» صاحب عربية اللحم والكبدة أكثر جذباً بالنسبة للصغار حتى وإن كن من «هوانم جاردن سيتي»!!
وتقوم الحكومة بتوفير الأمن والأمان لرواد الموالد حتى لا تحدث حوادث بين ««الفتوات» أو الباعة والزبائن أو سرقات، أيضاً توفر كميات من السكر والمكسرات لصنع ما يعرف باسم «عروسة المولد» و«الحصان» فما هي قصتهما؟
عروسة المولد عبارة عن مجسد لشكل دمية جميلة مصنعة من السكر الملون، ومرتدية فستان متسع يصنع من ورق ملون يعرف في مصر باسم ورق الكوريشة، وهي ترمي في المحلات وعلى الارصفة المغطاة بالحصير الملون، وهي غالبة الثمن، وبجوارها مجسد لحصان قوي مصنع أيضاً من السكر وعليه خيال يعكس فتى الأحلام..
اما المشكلة التي تسببها «العروسة والحصان» فهي كبيرة، فمن العادات والتقاليد الشعبية في الأزفة المصرية إن العريس لابدو أن يهدي عروسه خلال فترة الخطبة عروسة وحصان.. وإلاّ تنخض اسهمه عند «أم العروسة» التي بيرها وعقلها المراوغ مقاليد الحكم في البيت، فإذا كشرت عن أنيابها.. ضاعت «الجوازة» لان العريس لم يتمكن من شراء عروسة المولد لخطيبته والحصان لأخيها الصغير، ولا حول ولا قوة للعريس ألا ان يشتريهما لكسب ودْ حماته «المفترية»، هنا فقط ترتسم على وجهها ابتسامة الرضا، ويظفر هو بوليمة من أشهى المأكولات وأيضاً يظفر برضا خطيبته، فمفتاح الرضا هو عروسة المولد!
وقد أظهر الفيلم المصري «أم العروسة» بعض من هذا المشهد الحي الذي يدور في معظم البيوت في الأزقة المصرية، وربما من هنا نستنتج مدى تأثير الموالد في الدراما المصرية والعربية. وقد انتقلت العروسة «الحلاوة» كما يسمونها في المولد المصرية، من ساحات الموالد إلى الفنادق الكبرى ومحلات الحلويات لتباع بصفة خاصة في المولد النبوي الشريف.
ومن الموالد الشهيرة في مصر مولد السيد أحمد البدوي بمحافظة طنطا، يحضره بصفة خاصة المسنون الذين تعودوا في رحلة عمرهم زيارة ضريح السيد البدوي، بالإضافة إلى نزوح حشود الجماهير من كل محافظات لحضور هذا المولد الرائع، فوسط حشود الناس الغفيرة وتحت الأضواء والزينة والذكر والأدعية والابتهالات الدينية تنتشر خيم الطرق الصوفية الذين يدعون ويبتهلون ويتمايلون بالتنانير الواسعة والتي قيل عن هذه الحركات بأنها ترمز لمحور الكون، وهو أحد التفسيرات لهذه الفرق الصوفية.
وعند الحديث عن ثقافة الموالد في مصر والتي تعكس ثقافة وفولكلور وفلسفة مأكولات وملابس وألعاب، لابد لنا من إلقاء الضوء على تاريخ بداية المولد في مصر الفاطميين.. الذين جاءوا إلى مصر من بلاد المغرب وفي مقدمتهم قائدهم جوهر الصقلي، هم أول من أحيا الاحتفالات المختلفة بالمولد النبوي الشريف في 12 ربيع الأول، وصنع حلويات المولد الشريف والتي تصنع حتى الآن في مصر بكل المواصفات التي وضعها وقتذاك الفاطميون، والتي من أشهرها الحلاوة الحمصية والسمسمية والجوزية والبندقية والفولية وهي عبارة عن سكر تضاف إليه هذه المكسرات كل منها على حدة، بالإضافة إلى صناعة الملبن وجوز الهند، ثم ظهرت العروسة والحصان الحلاوة.
وعندما جعل الخليفة الفاطمة المعز لدين الله مدينة القاهرة عاصمة لخلافته أمر بإقامة أول احتفال بالمولد النبوي الشريف في العام 973ه. وقد ذكر العلامة المقريزي في خططه الاحتفالات التي اهتم الفاطميون بها، وهي الموالد الستة التي أوضحها بأنها المولد النبوي الشريف 12 ربيع الأول، ومولد الإمام الحسين في 5 ربيع الأول، ومولد السيدة فاطمة الزهراء في 20 جمادي الآخرة، ومولد الإمام علي في 13 رجب، ومولد الإمام الحسن في 15 رمضان.
ويذكر المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي الذي عاش في زمن الحملة الفرنسية على مصر، أن نابليون بونابرت اهتم بإقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة 1213هـ الموافق 1798م، من خلال إرسال نفقات الاحتفالات، وقدرها وقتذاك 300 ريال فرنسي إلى منزل الشيخ البكري نقيب الأشراف في مصر بحي الأزبكية، وأرسلت الطبول والموسيقى والقناديل والزينة احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، ويقال إن نابليون فعل ذلك لاجتذاب المصريين، ولكن دون تحقيق أي نتيجة، ودحرت حملة نابليون دحراً بقيادة علماء الأزهر الشريف.
وظهرت كتب عديدة في مصر والعالمين العربي والإسلامي حول فلسفة الموالد من أهمها كتاب «الموالد الشعبية في مصر» اشترك في تأليفها العديد من الباحثين وقام بالتقديم له الأستاذ سعد عبدالمنعم بركة. وقد اقتحم المولد الأسواق الشعبية في مجال الفن التشكيلي في مصر، وتعتبر أضخم جدارية عرفها العالم في هذا المجال جدارية باسم «المولد» للفنان المصري التشكيلي الدكتور طه القرني والتي دخلت عن جدارة موسوعة جينيس للأرقام القياسية في العام 2007، حيث يبلغ طولها 32 متراً، وتجسد ما يزيد على خمسة آلاف شخصية مصرية من البسطاء الذين يحضرون الموالد الدينية والشعبية.
وسبق أن دخل د. طه القرني موسوعة جينيس في العام 2006 عن لوحته «سوق الجمعة» وهي بانوراما ترصد حركة الأسواق الشعبية في مصر وخاصة «سوق الجمعة» التي سميت اللوحة باسمه وهو سوق كبير مزدحم يقام بمنطقة السيدة عائشة بالقاهرة، وقد استغرق رسم لوحة «سوق الجمعة» قرابة أربعة أعوام طاف خلالها في كل أنحاء مصر ليرصد حركة الأسواق الشعبية والموالد أيضاً والتي وصل عدد ما رصده منها إلى 3650 سوقاً ومولداً تقام في مصر سنوياً.
وإذا تركنا الزخم المصري في الاحتفال بالموالد ورصدها في الفن التشكيلي والدراما المصرية والعربية، وانطلقنا لدولة الإمارات، لوجدنا أن فن «المالد» وهو الاسم الشعبي في الإمارات لكلمة «المولد»، ـ لوجدنا ـ انه أحد أشكال والابتهالات الدينية في المجتمع، ويتكون «المالد» من صف من الجالسين يحملون بأيديهم طبولاً ضخمة يلوحون بها في الهواء باعثة نغمات موحدة تتخللها أناشيد وابتهالات وفي مواجهة هذا الصف من الناس الجالسين صف آخر من المنشدين يتمايلون مرددين كلمات وأناشيد ومدحاً للرسول صلى الله عليه وسلم. والمالد الإماراتي تقرأ فيه أيضاً السيرة النبوية الشريفة جنباً إلى جنب مع المديح للرسول، والمالد جزء من صميم التقاليد الشعبية الإماراتية.
وتحولت الموالد في مصر وبعض الدول العربية إلى تظاهرة حب وفرح واستعادة تراث شعبي يقاوم هجمة التحديث والعولمة وتكنولوجيا معقدة، أهدرت إلى حد كبير الحس الإنساني الفطري والفرحة التلقائية النابعة من القلب والوجدان. أيضاً هي مساحة مكان وتقاليد شعب عريق كانت وستظل ملهمة للفن لأناس مازال الحس الإنساني العالي يحرك ضمائرهم وأقلامهم وأدوات رسمهم.. فرصد الحركة واللون والمكان خلفية لكل فنان.
لوحة المولد
يوضح الفنان التشكيلي والناقد الفني مكرم حنين أن لوحة المولد للفنان الدكتور طه القرني هي عمل بانورامي متكامل، وهي تواصل فيما بين الفن والمجتمع في مصر وثورة إيجابية في مجال الفن التشكيلي ابتدعها القرني. وأن الهدير الموجود باللوحة يجسد حركة الناس في الأسواق من زحام وكلام أوضحه بشكل فني في الجدارية التي يكاد الناظر إليها يشم فيها رائحة الناس والخبيز والبخور، جميعها تتوحد في شكل فني رائع يجمع بين الملحمة والفن والدراما.
حكاية شعبية
الأراجوز شكل فني شعبي ظهر في الموالد بمصر يحكي قصة مجتمع ويغرس الأصالة والتقاليد الجميلة بلغة سهلة في عقول الصغار. ويعتبر فيلم «الأراجوز» لعمر الشريف تجسيداً حقيقياً لفلسفة الأراجوز وفنه. اشتهر المونولوجيست المصري شكوكو بتجسيده لأغاني الأراجوز الذي يظهر مرتدياً نفس «الطرطور» الملون وحزام الوسط اللذين يظهر بهما شكوكو في أدواره السينمائية. وتطور فن الأراجوز إلى الحكواتي، ولكن مازال الأراجوز في أركان الأزقة المصرية حتى الآن.
منى مدكور



