الحوار مع الأديب الياس فركوح والناقد فخري صالح اللذين التقيناهما على هامش فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب الدورة 27 مجتمعين له وقع خاص بلا شك إذ إن هذا الحوار كان من المفترض أن يتشظى إلى اثنين بعد أن كان العزم معقودا على إجراء حوار مع كل من الكاتبين على حدة، إلا أن المصادفة وضيق الوقت وانفتاح كل منهما على الآخر قادنا إلى اتخاذ قرار مشترك بالتراضي يقضي بإجراء حوار من النوع المزدوج الذي قلما جرى ويجري في الصحافة الأدبية. والملفت في هذا الحوار أن الكاتبين شددا على أن تل أبيب مدينة يهودية في فلسطين كذلك، هذا الحوار ناقش أمورا ثقافية ملحة وهامة تشغل الساحة الأدبية وفيما يلي نصه:
اسمحا لي أن أبدأ هذا الحوار بقضية شائكة أثارت ولا تزال دائرة واسعة من الجدل خصوصا مشاركة كاتب إسرائيلي في انطولوجيا صدرت في بريطانيا مؤخرا محورها المدينة السؤال المطروح هنا يدور حول موقف بقية الكتاب العرب من مجاورة كاتب إسرائيلي في كتاب مشترك يتحدث فيه عن تل أبيب التي قامت على أشلاء مدن وقرى كانت للشعب الفلسطيني في يوما من الأيام؟ مما يوحي بأنها عملية عبور إلى اسرائيل على متن كتاب تطبيعي. والقضية الثانية ظاهرة المثاقفة بين الأنا والآخر؟ الياس فركوح: القصة بشكل بسيط هي أن دور نشر بريطانية لديها مشروع يصدر عنه كل عام مجموعة من النصوص هي أقرب إلى السرد القصصي لعشر مدن. تلك الدور استهلت مشروعها الأول العام الماضي بعشر مدن أوروبية والمشروع الثاني كان في الشرق الأوسط ويبدو أن الشاعرة اللبنانية جمانة حداد قد كلفت بالإعداد لهذا الكتاب وبالاتصال مع الكتاب العرب.
فكان أن تم الاتصال بي وتم طرح الفكرة علي وبدوري رحبت بها وأرسلت مجموعة من النصوص وكان أحد هذه النصوص «طيور عمان تحلق منخفضة»، وهي قصة قصيرة تحكي عن عمان وصدرت ضمن مجموعة قصصية تحمل الاسم نفسه في ثمانينيات القرن الماضي.
والحقيقة أنا لم أكن أعرف من هم الكتاب العرب الذين كانوا سيشاركون أولا في الكتاب ولم أكن أعرف أياً من العواصم أو أياً من المدن التي كان الكتاب سيتضمنها. بعد فترة من الزمن وصلتني رسالة الكترونية من الجهة الناشرة تقول إنهم مسرورون لأني بعثت لهم النص، الذي سيصلني خلال وقت قصير بترجمته حتى أتمكن من مراجعته ووضع أي ملاحظات أو تعليقات أو تعديلات قد تظهر لدي على أن أذكرها قبل النشر وهكذا كان.
وبعد فترة قصيرة أخرى وصلتني منهم رسالة الكترونية أخرى حددوا فيها صيغة الكتابة النهائية والمدن التي ستشملها والكتاب الذين سيشاركون فيها واقترحوا كاتبا إسرائيليا اسمه إسحاق لاؤور كي يكتب عن تل أبيب وهو كاتب له مواقف مشهود لها بمعاداتها للصهيونية وليس فقط للممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية أو حرب لبنان.
وهذا يعني أنه تحصيل حاصل أن يكون له مواقف من هذا النوع، لكن الأهم من ذلك هو موقفه من الحركة الصهيونية التي يعتبرها حركة فانية بشهادة الفلسطيني ابن عكا الذي يشارك في الانطولوجيا بقصة عن عكا وهو علاء حليحل ولقد أرسلوا لي نص الرسالة التي أرسلها حليحل والتي تفيد بأن الرجل مكسب.
وبالتالي قالوا: إذا كان لديك أي تحفظ فاذكره، ثم بعثت لهم بناء على شهادة حليحل الذي هو أدرى مني بما يجري في الأرض المحتلة وقلت لهم إنه ليس لدي أي مانع لجهة وجود هذا النص طالما أن صاحبه تقدمي ويقف ضد الفكرة الصهيونية .
وأن صاحبه في حالة عداء مستمرة مع السلطات الإسرائيلية، وبالتالي فأنا ليس لدي أي مشكلة في مجاورته في الكتاب وهكذا كان. فأنا لا أستطيع الزعم بأني أخذت على حين غرة وأني خدعت، فلقد وصلتني رسالة واضحة بخصوص مشاركته.
المفارقة تكمن في أن هذا الكاتب الإسرائيلي قادم من مدينة تدعى تل أبيب ويكتب عن مدينة قامت في الأصل على أنقاض مدينة فلسطينية هي يافا..
فخري صالح: مدينة تل أبيب موجودة قبل عام 1948 وهي أول مدينة يهودية في فلسطين وبنيت في فترة زمنية مبكرة إلى جانب مدينة يافا (تأسست تل أبيب عام 1909 على يد عدد من اليهود الصهاينة الذين هاجروا من شرقي أوروبا إلى مدينة يافا التي كانت خاضعة حينها للدولة العثمانية).
صحيح أنها بنيت بمحاذاة مدينة يافا الفلسطينية، لكنها طغت عليها وأصبحت عاصمة الدولة العبرية. والمفارقة تكمن في أنك كمفكر وروائي وكاتب عربي معروف تكتب عن عمان التي هي مدينتك، بينما يكتب لاؤور عن تل أبيب بغير وجه حق وبوجه غير شرعي.
الياس فركوح: دعنا نتكلم في مسألتين لفك حالة الاشتباك بين موقفين يعتريهما التباس. لقد وافقت على نشر هذا الكتاب بمشاركة إسحاق لاؤور لأن هذا الكاتب له مواقف مع الفلسطينيين وضد إسرائيل من حيث أنها تقوم على فكرة صهيونية ويقول هذا هو ماضي الذي ورثته ولكني لم أصنعه. بالإضافة إلى هذا، فإن الرجل نشر مجموعة من كتاباته في مجلة «الكرمل»، وبالتالي فإن الحاجة تنتفي هنا لمن يتحدث عن اتجاهه الواضح ووقوفه إلى جانب الفلسطينيين.
هذا أولا. والآن نأتي إلى كتاب المدن، حيث أتفق مع فخري حين قال إن تل أبيب مدينة يهودية قائمة في فلسطين قبل الاحتلال، منذ أيام الانتداب والجيل القديم من الفلسطينيين يذكر تماما أن تل أبيب هي واحدة من المدن اليهودية التي كان يزورها أهل يافا وحيفا وأهل فلسطين عموما وكانوا يتاجرون مع سكانها بحكم الجوار الجغرافي وبحكم أن الاحتلال لم يكن قائما في تلك الفترة، تل أبيب في الذهن العربي الحديث سياسيا، هي رمز لإسرائيل والاستيطان.
لكن هل يحكي مشروع الكتاب عن المدن من منظور موقعها ومضمونها السياسي أم أنه يتناول طبيعة هذه المدن وكيف يعيش كل كاتب فيها؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تبقى مؤجلة إلى أن اقرأ القصة، قصة الكاتب الإسرائيلي عن مدينة تل أبيب، فلنفترض أنه كتب عن بئر السبع أو عن إحدى قرى الكرمل، لأن كل فلسطين محتلة.
هل الاعتراض على تل أبيب كتل أبيب أم على كاتب إسرائيلي يكتب عن مدينة في فلسطين أصلها عربي، أنا لا أفهم أين تكمن الإشكالية في هذا؟
المسألة تأخذ أبعادها الحقيقية عندما ترتبط بهاجس التطبيع مع كيان محتل، فهناك انطباع بأن هذه الخطوة تسير باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني وبأن هذا الفعل الثقافي الجميل يصب في هذا الاتجاه..
الياس فركوح: هذه إحدى القراءات وأنا لا أستطيع المصادقة عليها. هذه قراءة سياسية تملك وجاهتها وأنا لا أريد الغوص في تفاصيلها، لكنها تبقى واحدة من مجموعة قراءات لا أتفق معها مع أني أحترمها وآخذها بعين الاعتبار، لكني أقول إنها قراءة من مجموعة قراءات ترى في هذا المشروع غير ما تراه عين التطبيع وبالتالي فإن هذه ليست نظرية تطبيعية لا من جانب الكتاب العرب ولا من جانب شخصيا.
وليس هناك حاجة لأن أؤكد أني ضد التطبيع وضد الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على أرضي وبالتالي فإني لا أعتبر ذلك عملية تطبيع واعية ومقصودة. قد تعني إحدى القراءات تطبيعا ولكن تلك ليست قراءتي الشخصية وقد لا تكون قراءة موضوعية.
أرجو ألا ننسى أننا افتتحنا هذا الحوار بالحديث عن قضية كتاب مدن من الشرق الأوسط كتوطئة للولوج إلى قضية العلاقة مع الآخر، الذي على الرغم من أننا نسبح بحمده ليل نهار، إلا أننا متهمون بالتقصير حياله لجهة عدم الاعتراف به وبشرعية وجوده. .
فخري صالح: أعتقد أنه يجب أن نتحلى بنوع من البصيرة التاريخية في حكمنا على موضوعات من هذا النوع، إذ يجب ألا نضع كل الكتاب اليهود أو الإسرائيليين في سلة واحدة ونحاكهم بنفس المسطرة التي تحاكم بها كل صهيوني ونتصرف كما تصرف العرب طيلة سنوات وعقود مع الفلسطينيين الثابتين في أرضهم المحتلة عام 1948 وكأنهم عملاء لإسرائيل.
وهذا ليس صحيحا بدليل أنه خرج من هؤلاء الناس شعراء المقاومة والآن هناك أناس يتمتعون بصلابة منقطعة النظير في عروبتهم وفي انتمائهم لفلسطين أكثر بكثير من الذين يعيشون خارج فلسطين.
أعتقد أن ذلك نوع من العمى التاريخي، الذي أصاب العرب خلال فترة زمنية طويلة امتدت على مدار 60 عاما ونحن نتعامل الآن بالطريقة عينها مع كل الكتاب اليهود الذين يكتبون لصالح فلسطين، ولا أريد أن أقول إنهم يدافعون عن الفلسطينيين، لكنهم يشعرون بثقل الذنب وثقل الواقعة التي هشمت فلسطين والفلسطينيين وإسحاق لاؤور، الذي قرأت الكثير من كتاباته، واحد من هؤلاء الذين يعادون الصهيونية.
بالعودة إلى قضية الأنا والآخر ، هل صحيح أننا مقصرون على صعيد الاعتراف بهذا الآخر والتواصل؟
فخري صالح: يجب أن نحدد من هو الآخر في هذا السياق. هل نقصد الآخر بمطلقيته؟ أم هناك آخرون في أنحاء مختلفة من العالم؟ هل نقصد إسرائيل؟
هل نقصد الغرب؟ هل نقصد دول العالم المختلفة. الإشكال الأساسي يكمن في أن العالم يشهد اهتمام وتركيز شديدين على مسألة الهوية خلال هذه الفترة الملتهبة من العلاقات الدولية ولا سيما خلال ربع القرن الأخير.
حيث يتعرض ما يسمى بالهويات الفرعية إلى ضغوط كبيرة في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يؤدي للأسف إلى الحرب والقتل ويثير نزعات الكراهية والانفصال والانشقاق وتقسيم البلدان والمجتمعات إلى بلدان ومجتمعات أصغر.
سؤال الهوية ليس مطروحا بقوة عند العرب والمسلمين فقط، بل إنه مطروح بقوة لدى الغرب عموما وصموئيل هنتغتون أصدر بعد كتابه الشهير «صراع الحضارات» كتابا آخر خلال فترة قصيرة جدا تحت عنوان «من نحن؟» يتساءل فيه عن ماهية أميركا وعن المكونات الأساسية للهوية الأميركية. وهذا يعني أن سؤال الهوية أو سؤال الآخر مطروح بقوة لدى الغرب بصورة عامة مثلما يوقظ مفهوم الهوية لدى شعوب أخرى كثيرة.
المطلوب من العرب والمسلمين وكذلك الغرب أن يطرحوا أسئلة الحوار بحيث تتخطى الشأن الاقتصادي وصولا إلى الشأن السياسي والشأن الثقافي في المقام الأول، بعد أن أصبح فتح باب الحوار الثقافي بين الكتل المختلفة في العالم أمرا ضروريا.
أعتقد أن العالم بدأ يطلق مؤشرات تدل على اهتمام الغرب بالعرب، فلقد كان العرب في عام 2004 ضيف الشرف في معرض «كان» للكتاب.
كما كانوا ضيف الشرف في معرض لندن للكتاب في أبريل الماضي وسيكونون ضيف الشرف في معرض «اكسبو« أميركا للكتاب في مارس أو ابريل من العالم المقبل. أي أن العالم وخصوصا العقلاء فيه يريدون رؤية ما هي آفاق الحوار بين الشرق والغرب. ونحن مطالبون بالسعي في هذا الاتجاه أيضا، مطالبون بأن نخرج إلى العالم ونقول إننا لسنا أولئك الأشخاص الذي تصورونهم بهذه الصورة النمطية وتتهمونهم بأنهم هم مصدر الإرهاب والعنف وعدم التسامح.
المأساة تكمن في أن بعض المؤسسات لم تدرك بعد فعالية الأدوات الثقافية في فتح حوارات مع الآخرين، فنحن لا نصر كثيرا على الثقافة، ولا نترجم كثيرا من الكتب على عكس دول كبرى في العالم مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وكذلك الولايات المتحدة، التي تنفق ملايين الدولارات لترجمة مؤلفات كتابها في محاولة منها لتسويق ثقافتها.
عندما نقول الآخر لا نقصد بالضرورة الغرب، ذلك أن الآخر قد تتشكل ملامحه من أضيق رقعة في المجتمع. ففي هذه اللحظة بالذات أنا أتحدث إلى كاتبين كبيرين يشكلان جزءا من حالة الإبداع في الأردن، مع أن أحدهما أردني من اصل فلسطيني والآخر أردني أبا عن جد، وهما ينظران إلى بعضهما على اعتبار أنهما أنا واحدة في لحظة ما بينما قد يعتبر كل منهما نفسه آخر بالنسبة للآخر في لحظة أخرى. أي أن مفهوم الأنا والآخر مفهوم نسبي بامتياز.
الياس فركوح: الالتقاء مع الآخر يعني حالة حوار معه على عدة مستويات ثقافية وسياسية واقتصادية. . وقبل أن نبدأ حوارنا مع الآخر علينا أن نطرح السؤال التالي: هل تعلمنا كيف ندير حوارا بناء وإيجابيا داخل مجتمعاتنا وداخل مكونات هذه المجتمعات؟
المقصود هنا المجتمعات العربية على وجه الخصوص، هل وجدت التيارات السلفية والعلمانية والليبرالية والديمقراطية واليسارية الموجودة ضمن هذه المجتمعات صيغة حوار حقيقية لا تصب في خانة المبارزات والسجالات الكلامية التي تهدف إلى تغليب وجهة نظر على أخرى وإنما في خانة الانفتاح على التيار الآخر بغية فهمه واستيعابه وإيجاد القواسم المشتركة من أجل بناء مجتمع آخر، بمعنى أنه عندما أريد إجراء حوار فأنا لا أقوم بذلك لمجرد الحوار وإنما لغاية أخرى أبعد من ذلك تتمثل في إقامة مجتمع بديل، مجتمع أنظف ،صيغة من التفاعل المنتج بصورة أفضل.
إذا لم أكن قادرا على فتح حوار بين مكونات المجتمع العربي نفسه، فكيف لي أن اجري حوارا وديا مع آخر هو أقوى مني أصلا. الحوار بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف لا يعد حوارا.
المحور الثالث الذي أردنا تسليط الضوء عليه في هذه المناقشة يتعلق بأدب المنفى أو ما يمكن أن نسميه بذلك، والسؤال الرئيسي الذي نود طرحه في هذا الصدد هو: ما مدى صحة القول إن لهذا النوع من الأدب كيانا مستقلا بذاته؟
فخري صالح: يعتبر أدب المنفى مفهوما حديثا نسبيا، لكنه موجود في تاريخ الكتابة منذ الحضارة اليونانية القديمة حتى يومنا هذا. ،اعتقد أن أدب المنفى مكون أساسي من مكونات الأدب العالمي وهناك بعض الآراء التي تقول بأن الأدب العظيم هو أدب المنفى، بدءا من هوميروس والأوديسا وانتهاء بمحمود درويش.
أدب المنفى من الآداب المحرضة لأن جرح المنفى جرح عميق ينتج نصوصا مختلفة نصوص المقيم، فضلا عن أن كتابة المنفيين فيها دائما حرقة وفيها نوع من الشفافية. لكن هناك إشكالية في تعريف أدب المنفى فهل هو أدب المنفيين عن بلادهم بالقوة أم أدب المنفيين باختيارهم؟
جيمس جويس، على سبيل المثال، ذهب إلى فرنسا وكتب أعماله الأساسية هناك في منفاه الباريسي بينما كان يحاول الابتعاد عن الصراع المستحكم بين الإنجليز والايرلنديين وفي الوقت نفسه كانت باريس تعتبر عاصمة النور وكان الكتاب يرتحلون إليها ويعتبرونها عاصمة الثقافة في الغرب. أي أن مفهوم أدب المنفى مفهوم ملتبس، مفهوم من الصعب تحريكه، هو أدب الجرح، أدب الابتعاد والنفي القسري عن الوطن.
الياس فركوح: هناك بعد ثالث للمنفى يتمثل في وجود ظروف حياتية تجعل الأشخاص يرتحلون إلى أمكنة أخرى غير أوطانهم بهدف العمل.
لكن النفي غالبا ما يكون قسرا. كاتبة مشهورة في فرنسا كندية الأصل ثقافتها ثقافة «أنجلوفرانكفونية» وعاشت في أميركا بعد كندا ولغتها الأم هي الانجليزية انتقلت إلى فرنسا عندما كان عمرها أقل من 20 عاما وأكملت دراستها هناك وحصلت على درجة الدكتوراه وتزوجت من ستيفان تودوروف الذي يتكلم الفرنسية كلغة أخرى أيضا.
وكتب متابا تحت عنوان «رحلة إلى الشمال» أو «الشمال المفقود» تحكي فيه عن النفي الجغرافي والنفي اللغوي، بمعنى أنه على الرغم من أنها باتت تعيش في فرنسا غير أن اللغة التي تتعامل معها بحميمية أكثر هي اللغة الانجليزية التي تحمل الطفولة والذكريات الأولى في الذاكرة البكر وهي تنضح من خلال هذه اللغة ما تكتب، في حين تبقى اللغة الفرنسية غريبة عنها مع أنها تكتب بها أيضا.
ماذا عن تجربة إدوارد سعيد في المنفى، خاصة أن فخري وضع كتابا تحت عنوان «دفاعا عن ادوارد سعيد»؟
فخري صالح: كتاب «دفاعا عن إدوارد سعيد» يرد على مقالة مطولة نشرها كاتب ومحامي يهودي يعيش في أميركا اسمه جيتس رايت فاينر.
وهو رجل وظف مائة مساعد له ليفتشوا وينقبوا في وثائق عن عائلة ادوار سعيد في لبنان وفلسطين ومصر ليقول إن المفكر الفلسطيني الراحل ليس مقدسيا لأن عائلته انتقلت في نهاية عام 1947 لتعيش بصورة دائمة في القاهرة ثم ارتحل إلى مناطق أخرى من العالم. أنا حاولت القول إن المسألة لا تتعلق بادوارد سعيد كشخص وإنما بشعب بكامله طرد من أرضه بالقوة.
ما أراد أن يقوله فاينر هو أن ادوارد سعيد، هذا المثقف الكبير على مستوى العالم والشخصية الطاغية والممتدة الفروع في أميركا والغرب، يكذب، وبالتالي فإن الشعب الفلسطيني كله كاذب بشأن مسقط رأسه. لكن بيت ادوارد سعيد في القدس معروف وكون عائلته كانت تتاجر بين القدس والقاهرة لا يعني أن الرجل ليس مقدسيا كما يدعي فاينر في بحثه الهش. ادوارد سعيد تمكن من التوصل إلى حلول مفصلية في مسألة الهوية.
وهو يعتبر نفسه شخصا مقيما بين ثقافات وملتقى ثقافات متعددة، هو عربي تعلم الانجليزية طفلا وتكلم بها مع والدته وقرأ نصوص شكسبير ثم ذهب إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة ودرس في أرقى جامعاتها ثم أصبح ناقدا كبيرا في ميدان الموسيقى.
بالإضافة إلى ميدان الآداب حتى أصبح يشكل جزءا من الثقافة الغربية، لكنه لم يرد قط انتزاع نفسه من حضن الثقافة الأم فعاد إلى تعلم اللغة العربية مجددا بعد أن أصبح أستاذا كبيرا للأدب الإنجليزي والأدب المقارن، وخلص سعيد إلى نتيجة مفادها أن الهوية هي أمر منهجي وليس أمرا متماسكا وموحدا ومتناغما مع ذاته، ،وأن الهوية ليست أمرا يعطى هكذا، بل إنها تصنع بصورة مستمرة.
الياس فركوح: «أرض اليمبوس»، بالنسبة لي، هي تكثيف وتلخيص لموقف شخصي في عدة قضايا. أنت عرفت فخري صالح وقلت إنه ناقد من أصل فلسطيني وإن إلياس فركوح هو كاتب أردني، لكن الحقيقة هي أني أقع بينهما ولا أريد أن أكون أي منهما كذلك.
الياس فركوح في سطور
* ولد في عمان عام 1948.
* حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية عمل في الصحافة الثقافية .
* من مؤلفاته: «قامات الزبد» و«أعمدة الغبار 1996» و«الصفعة» و«طيور عمان تحلق منخفضة» و«إحدى وعشرون طلقة للنبي» و«من يحرث البحر» و«أسرار ساعة الرمل» و«الملائكة في العراء».
* اختير من ضمن المرشحين الستة لجائزة بوكر العربية في دورتها الأولى عن رواية «اليمبوس».
فخري صالح في سطور
فخري صالح ناقد وكاتب فلسطيني أردني غادر وطنه قبل 27 عاما ولم تسمح له سلطات الاحتلال الإسرائيلية بالعودة إليه منذ ذلك الحين. له أكثر من عشرين كتابا في النقد والترجمة وتحرير الكتب، فضلا عن أنه يكتب في العديد من الصحف العربية. من بين كتبه «دفاعا عن ادوارد سعيد» و«القصة الفلسطينية القصيرة في الأراضي المحتلة» و«النقد والمجتمع» و«أرض الاحتمالات» و«آفاق النظرية الأدبية المعاصرة، بنيوية أم بنيويات؟» و«أفول المعنى».
باسل أبو حمدة


