منذ لحظة الإعلان عن دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008 عاشت العاصمة العريقة نشاطا استثنائيا لم تشهده عواصم عربية أخرى خلال أعوامها التي بدأت منذ 1996، أي عشر عواصم ثقافية عربية مرت من تحت قوس المعرفة والانتشار الجماهيري بعضها تقدم خطوة، وبعضها تراجع خطوات، ولأنني عايشت معظم تلك العواصم فقد لمست مدى استيعاب مفهوم العاصمة الثقافية، وأدركت كم عدد العواصم التي فاتها ذلك.
دمشق أعطت للثقافة بعدها الوجداني وذهبت بها إلى أعماق شمولية، لم تمنع ولم تتحفظ، ولم تصادر، بل انفتحت على الجميع وأعطتهم حصة كبيرة من جغرافية المكان الذي كان صدى لواقع عربي ومحلي لم تغب عنه فنون العالم، فإذا كانت فيروز أو زياد فاكهة الاحتفالية فان بيتر بروك وكارمن ساورا كانا نكهة العالم وسط العرب وبينهما نهضت فعاليات محلية ليس احتفاء براحلين عبر كتب احتفائية فقط، بل بالكشف عن أسماء لشعراء سوريين من جيل آخر.
احتفلت دمشق بمحليتها أولا، وليس بمن يكتب عن شعراء من المغرب بينما شعراء سوريا لم يسلط عليهم الضوء، وهو ما كان عبر إطلاق مجموعة كتب لشعراء سوريين شباب يستحقون فرصة تحت الشمس، وأذكر في هذا الصدد أن الجزائر (إبان عاصمتها الثقافية عام 2007) كلفت شخصا مغمورا بالكتابة عن قصيدة النثر السورية بحثا عن بُعد عربي فأثار كثيرا من اللغط، بينما كنا أحوج إلى كتاب عن شعراء جزائريين لا نعرفهم ولم نسمع عنهم بعد.
لقد كانت الثقافة في دمشق بحاجة إلى لمسة (حنان) ناعمة لتزيل عنها بعض الغبار ولتتوهج صورتها بما تنتج ولتقدم طيفا واسعا من الثقافة الصميمة التي يقل فيها الاستعراض المجاني وتكثر فيها جرعة المعرفة،، ثقافة مؤثرة ذات بعد جماهيري وليست نخبوية فقط، لقد حدث هذا عبر عشرات الأنشطة التي لم يجد الجمهور فيها مقعدا شاغراً، أنشطة أمضى فيها عشاق الثقافة وقتاً طويلاً وقوفاً على الأرجل، بينما كان العشرات خارج الصالات يتابعون الفعاليات عبر شاشات عملاقة.
هذا الوهج يجب ألا يتوقف مع ختام (العاصمة الثقافية)، لأن العربة وضعت على السكة وعليها أن تمضي قُدما إلى الأمام، اننا أحوج ما نكون اليوم إلى جيل واسع المعرفة ليكون قادرا على الحب، وليس على عدم التقبل أو كره الآخر، لأن الثقافة تحمي وتبني وتصنع المعجزات، أليست معجزة أن تتحول الثقافة إلى خبز يومي، هذا ما حدث طيلة عام في دمشق، وما نأمل له أن يستمر لأعوام وأعوام.
شكراً دمشق.
