«رسالة إلى أميركا» كتاب يحاول فيه مؤلفه ديفيد بورين أن يجيب على السؤال التالي: كم من الزمن أيضا تستطيع الولايات المتحدة الأميركية التي يقطنها 6 بالمائة فقط من مجموع سكان المعمورة المحافظة على موقعها كقوة عظمى كونية؟

تتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتردد في الكتاب بالقول إن أميركا تعاني من حالة قلق بالنسبة لمستقبلها، ويعيد ديفيد بورين سبب ذلك إلى فقدان ثقة الأميركيين بهذا المستقبل تحديدا، إذ هناك مؤشرات عديدة تدلّ كلها على تشوش المنظور الذي ينتظر بلادهم.

ويرى ديفيد بورين أن استعادة الثقة بالمستقبل تتطلب قبل كل شيء القيام بعمليات إصلاح جوهرية تؤدي إلى جعل النظام السياسي الأميركي قادرا على التحرك بطريقة مسؤولة حيال العالم.

أما الورقة الرابحة الرئيسية فيتم تحديدها بالقيم التي قامت عليها الولايات المتحدة أصلا والتي تلقى القبول إلى حد كبير على المستوى الكوني. وبالتالي ينبغي حسب رأي المؤلف تفعيلها جديا بعيدا عن مفاهيم الهيمنة لخلق الأمل بإمكانية قيام مستقبل أفضل.

ومن المسائل التي يتم التأكيد عليها أيضا ضرورة التخلص من إرث فترة الحرب الباردة والثنائية التي طبعت العلاقات الدولية بطابعها، وبالتالي صياغة سياسة خارجية أميركية جديدة تتأقلم مع معطيات ما بعد انهيار جدار برلين بحيث تتأقلم مع معطيات القرن الحادي والعشرين وتعتمد خاصة على مفهوم وجود عدة قوى عظمى تتعامل فيما بينها على أساس تعاقدي.

أمّا البورجوازية الأميركية التي تعاني من التقهقر وتبدو أنها في طريقها إلى التهميش داخل الحياة السياسية الأميركية فتقول التحليلات المقدّمة بضرورة العمل على أحيائها وإعطائها نفحة جديدة.

وذلك من خلال تعزيز السياسات الخاصة بالضمان الصحي المعمم لجميع الأميركيين وتقليص العجز في الميزانيات المكرّسة للخدمات الاجتماعية، وتوفير التعليم العالي لشرائح أوسع من المواطنين حيث لا تحظى به الآن عمليا سوى النخب العليا. تم التأكيد على أهمية جعل النظام الضرائبي «تصاعديا» بحيث يدفع أكثر من يكسب أكثر.

وعلى أساس هذه السلسلة من المطالب والاقتراحات يؤكد دافيد بورين على أن المحرّك الرئيسي للنهوض يتمثل إلى حد كبير في «إحياء روح الانتماء الجماعي» لدى الأميركيين وتشجيع الأعمال ذات الطابع التطوعي.

هذا مع التأكيد بشكل أساسي على الدور الحاسم الذي تلعبه المنظومة التربوية.

ذلك أنه بدون وجود مواطنين يملكون قدرا كافيا من التربية والثقافة فإن النظام كله لا يمكنه أن يعمل بصورة جيدة ولن يمكن المحافظة على الحقوق. ويتم دعم مثل هذا المنطق بالقول: «إذا لم نفهم كيف أصبحنا كبارا، فإننا لن نبقى كبارا».يؤكد ديفيد بورين بأشكال مختلفة أن المطلوب أولا هو «استئناف الحوار بين الأميركيين». ذلك على قاعدة قوله، وبأشكال مختلفة أيضا، أنه لا يملك إجابات شافية على الأسئلة الجوهرية المطروحة.

بل ويشير إلى أن بعض قارئيه سوف يصابون بنوع من خيبة الأمل عندما يصلون إلى نهاية الفصل الأخير ولا يجدون الإجابات التي ينتظرونها من أجل النهوض بأميركا.

هذا النهوض الذي يؤكد على قناعته بإمكانية تحقيقه ولكن أولا وأساسا عبر الحوار بين الأميركيين فيما بينهم، أما دوره فيحدده أكثر بطرح الأسئلة والحث على الحوار.

هنا يفتح المؤلف قوسين للإشارة إلى أن وسائل الإعلام الأميركية لا تلعب الدور المطلوب منها حقيقة. ولا ينسى المؤلف أن يولي ثقته الكاملة ل«الحس السليم» لدى الأميركيين العاديين.

ويؤكد أنه في حال توفر المعلومات الصحيحة لديهم، يستطيعون عندها إصدار أحكام فيها الكثير من الحكمة والصواب، والتمييز بين ما هو صحيح وبين ما هو مزوّر.

لكن الخطاب السياسي السائد والذي ترفده وسائل الإعلام جعل الانتباه العام يتوجه بالأحرى نحو «التسامي» بعيدا عن الاهتمام بالقضايا المصيرية.

وفي المحصلة هذا كتاب في رسالة موجّهة للأميركيين نخبا وطبقات شعبية من قبل رجل شغل مراكز قرار سياسية وتربوية هامة.

وهذا الكتاب «ينبغي أن يقرأه، ويعيد قراءته، جميع أولئك الذين يقلقون على مصير بلادنا وعلى مستقبلها». هكذا علّق مكلوغ، المؤرّخ الحائز على جائزة بوليتزر.

الكتاب: رسالة إلى أميركا

تأليف: ديفيد بورين

الناشر: جامعة اوكلاهوما 2008

الصفحات: 112صفحة

القطع: المتوسط

A letter to America

David Boren

University of Oklahoma- 2008

P.112