الرأسمالية المعولمة التي أعقبت انهيار جدار برلين تابعت استغلالها للعالم الثالث بأشكال مختلفة يحاول كتاب «كره الغرب» لمؤلفه جان زيغلر تقديم إجابات على الظاهرة التي يؤكد أنه واجهها في كل مكان ذهب إليه من بلدان العالم الثالث. وتتمثل في العداء المتأصل الذي تبديه شعوب بلدان العالم المسمّى بالثالث حيال العالم الغربي «المتقدّم والغني».

ويشير المؤلف، بالاعتماد على خبرته أثناء عمله لفترة طويلة في المؤسسات الدولية، أن مثل هذه الحالة من «كره الغرب» جعلت من المستحيل أحيانا تبنّي بعض الإجراءات الملحّة حيال البلدان الأكثر بؤسا في العالم. ويرى المؤلف أن تحديد الجذور العميقة لمثل هذا «الكره» حيال الغرب أضحى بمثابة حياة أو موت بالنسبة لملايين البشر من نساء وأطفال على سطح المعمورة.

ويتوقف جان زيغلر عند «جذور الكره» حيث تتم مناقشة ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني في المشاعر السائدة، وتأخذ الذاكرة الجماعية أهمية كبيرة في هذا السياق عبر ممارسات لم يكن أقلها ظلما «ملاحقة العبيد» و«الاحتلال الاستعماري».

وعن « الارث المشين » يقدّم المؤلف توصيفا للتطور التاريخي في العلاقات بين الشمال والجنوب ، ويحلل الكتاب ظاهرة «الفصام النفسي لدى الغرب» من خلال مشربين أساسيين يخصان حقوق الإنسان واللغة المزدوجة بين القول والفعل. كما يدرس المؤلف «الحالة النيجيرية و «القطيعة في حالة بوليفيا».

وبغية تفسير الأسباب العميقة لـ «الكره» القائم لدى شعوب الجنوب حيال الغرب يفتش المؤلف في الذاكرة. هكذا يتحدث عن المذابح وأعمال التعذيب وقمع المدنيين التي مارستها القوى الغربية في سطيف بالجزائر عام 1945 وفي مدغشقر عام 1947 وفي الهند الصينية وإفريقيا وغيرهما.

ويركز المؤلف في تحليلاته أيضا ضمن الإطار على «السلوك الفاضع» الذي مارسته مؤسسات مالية عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وتمثل ذلك السلوك خاصة بفرض شروط قاسية على بلدان العالم الثالث فيما يتعلق بتسديد الديون المترتبة عليها والتي وصلت إلى ما يزيد عن 2100 مليار دولار أميركي. ويرى جان زيغلر أن الرأسمالية المعولمة التي أعقبت انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 تابعت هيمنتها واستغلالها للعالم الثالث بأشكال مختلفة.

ويشير المؤلف إلى واقع أن الأكثر «كرها» للغرب، بل والذين يكرهونه بصورة «مرضية» هم أولئك الذين يصنفهم تحت خانة الإرهابيين. ولا يتردد بنفس الوقت من توجيه إدانات حاسمة لهم بسبب ما يقومون به من عمليات اعتداء «عمياء» في مختلف مناطق العالم.

ويظهر الكره حيال الغرب في العالم الثالث، كما يشرح جان زيغلر لدى العديد من قادة الدول الذين «لا يريدون تلقّي الدروس الأخلاقية» من الغرب، أي من بلدان الاستعمار السابق. وعلى خلفية الابتعاد عن الغرب يغرق أولئك القادة في الدكتاتورية. ولكن لا يظهر الكره لدى القادة فقط ولكن أيضا، وخاصة، لدى شعوب العالم الثالث التي يقطنها ثلثا عدد سكان العالم. وتعاني هذه الشعوب من أشكال البؤس والمرض وسوء التغذية والاستغلال والجهل.

هذا كله مقابل حالة من الغطرسة والرخاء والعيش الرغيد في بلدان الشمال الغنية. هؤلاء المرفّهون يشكلون 13 بالمائة فقط من مجمل سكان العالم وأغلبيتهم ينتمون إلى العرق الأبيض وهم يفرضون اليوم، كما يفعلون أيضا منذ 500 سنة منظومتهم الاقتصادية، وإلى حد كبير نظامهم السياسي على بقية سكان العالم الذي نعيش فيه. نقرأ: «منذ 500 سنة ساد الغربيون على العالم، والبيض لا يشكلون اليوم سوى 8, 12 بالمائة من سكان العالم، ولم يتجاوزوا أبدا في الماضي 24 بالمئة».

ولا يجد جان زيغلر شرحا أفضل لهذه الحالة، من قوله أنها «نتاج منظومات سابقة للقمع والاضطهاد خاصة تلك التي تمثلت في تجارة العبيد والاستغلال الاستعماري». ويتم التأكيد هنا أننا نعيش في عالم جرت صياغة مرتكزاته الرئيسية خلال أزمنة عرفت درجة عالية من الظلم ولا تزال آثارها سارية المفعول، لكنها تُقابل من الغرب خاصة بالتجاهل و«كأن شيئا لم يحدث».

إن المؤلف يعيد للأذهان قائمة الأهداف التي حددتها المجموعة الدولية بالنسبة للألفية الجديدة في نيويورك عام 2000. ويخرج من هذا القول أنه بعد ثماني سنوات لم يحدث شيئا يذكر حيال «تقليص الفقر ووفيات الأطفال وحماية البيئة». وبالتالي لن تساهم الأزمة المالية التي يعيشها العالم في دفع هذه الأهداف إلى الأمام، بل على العكس سوف تزيد من «كره الغرب» لدى شعوب الجنوب.

ومن الإشكاليات الرئيسية التي يشير لها جان زيغلر في بلدان الجنوب الفقيرة، قوله إن الشرائح الصاعدة عبر التسلّق حول السلطات السياسية «تكتفي بإعادة إنتاج النظام العالمي للسيطرة والاستغلال، أي النظام الذي كان الغرب قد اخترعه».

كما يشير بالتوازي إلى تدمير سوق القطن الإفريقي من قبل الشركات متعددة الجنسيات وبالتواطؤ مع منظمة التجارة العالمية. كما يشير إلى الاتفاقيات «غير المتكافئة» المفروضة على بلدان الجنوب. باختصار يؤكد المؤلف أن الغرب يستخدم «يدا خفية» للسيطرة على العالم.

ولا يحدد جان زيغلر أسباب «كره الغرب» بالاقتصاد ولكن يؤكّد أيضا على دور الهيمنة الثقافية الغربية ومحاولة فرض القيم الغربية على الآخرين. ولا يتردد في البحث عن مرجعياته لدى شعراء من أمثال «ايمي سيزير» و«وول سوينكا».

الكتاب: كره الغرب

تأليف : جان زيغلر

الناشر: البان ميشيل باريس 2008

الصفحات: 304 صفحة

القطع: المتوسط

La haine de l'Occident

Jean Ziegler

Albin Michel -Paris 2008

P.304