يقسم كتاب « المدن متعددة الثقافات في أوروبا الوسطى» عواصم تلك المنطقة الى قسمين: الاولى العاصمة النمساوية فيينا التي تشكل نموذج الوسط المديني في أوروبا الوسطى، والثانية براغ العاصمة التشيكية التي تمثل «المفارقة» بين التعددية الثقافية وبنفس الوقت نزعة الأحادية الثقافية بينما العاصمة الهنغارية ؟ المجرية- بودابست موزعة بين التعددية الثقافية وتجسيد الهوية الوطنية.
يتحدث مؤلفا الكتاب دلفين بيشتيل و كزافييه غالميش عن برلين، العاصمة الألمانية، بعد إعادة توحيد الأمة الألمانية إثر سقوط برلين عام 1989 حيث يجدان أن هذه المدينة تحمل في مكوناتها الكثير من الأساطير ومن الوقائع أيضا. وتجمع العاصمة البولندية وارسو في سكانها بين البولنديين واليهود والروس والألمان والفيتناميين ومكونات أخرى مما جعلها أحد المواقع الأساسية للتعددية الثقافية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ويتحدث الكتاب عن «المدن الحدودية» أو «مدن التخوم» فنقرأ عن اوديسا التي تتميز بتعددية ثقافية «في الواجهة» وليس في العمق. كذلك يتم الحديث في هذا الإطار عن مدن تكاد تكون غير معروفة سوى للقلّة القليلة مثل لفوف وغدانسك وسيبيو وتشرنوفيستي وسيرنوني... وغيرها. وفي هذه المدن كلها هناك أشكال من التمازج الثقافي ولكن أيضا من «الأشباح» النائمة.
السمة المشتركة الأولى التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب هي «التعددية الثقافية» لمختلف مدن أوروبا الوسطى، بالإضافة إلى مسارات تاريخية «مختلطة». ونتيجة هذا تقصف المدن المعنية كلها بـ «عدم الوضوح» من وجهة نظر الهويات «الوطنية» التي تتألف منها.
لكن هذا لا يمنع أن مدن أوروبا الوسطى كلها تقريبا فيها مجموعات من اليهود، وتشكل كلها أيضا نوعا من «الموزاييك» من حيث المجموعات الاثنية والدينية فيها، وكلها تقريبا أيضا عانت من تصارع النزعات القومية المتباينة ومن الحربين العالميتين اللتين كانت أوروبا أحد مسارحهما الأولى والرئيسية.هكذا نجد أنه بعد الحرب العالمية الأولى أخذت مدن أوروبا الوسطى توجهات متباينة رغم ما كانت تتمتع به من سمات جمعتها تحت راية الحداثة والازدهار الاقتصادي.
إن برلين أصبحت شبيهة بـ «شيكاغو» كمركز صناعي ذي شهرة عالمية وقطبا ثقافيا يجذب إليه الفنانين من مختلف أصقاع الأرض ويجذب الروس مثلما يجذب العلماء «اليهود» من مدن أوروبا الوسطى الأخرى. أما وارسو العاصمة البولندية، «باريس الشمال» كما يطلقون عليها فقد استعادت مكانتها كعاصمة لبولندا التي استعادت حياتها من جديد، فإنها أصبحت ذات مكانة «هامشية» ومقطوعة عن السوق الروسي. وإذا كان تأثير اليهود بقي كبيرا فيها فإن البلدية، بدعم من الكنيسة، ركّزت على صفتها «البولندية» القومية.
وهناك مدن أخرى غيّرت من «انتماءاتها». فمدينة ليمبيرغ، التي جرى تعميدها باسم «لوو» وأعيد إلحاقها ببولندا. أما مدينة «بيكوفين» ذات التعددية اللغوية الكبيرة، التي كانت تابعة للإمبراطورية النمساوية-الهنغارية حتى عام 1918 فقد جرى ضمّها إلى رومانيا قسرا وحيث لم تكن أصول سكانها من الرومانيين لا تتجاوز ربع المجموع.
بعد الحرب العالمية الثانية، عممت الأنظمة الشيوعية مفهوم «الثقافات والأمم المتجانسة». وكمثال واحد فقط أصبحت برلين الشرقية لا تضم سوى 6,1 بالمائة من الأجانب، كما فقدت المدينة المحاصرة من دورها كـ «جسر» للوصل بين أوروبا الغربية والشرقية. لكن ذلك لم يمنع وفود أجانب جدد تمثّلوا خاصة في الأتراك.
كتاب هام عن مدن أوروبا الوسطى عبر تاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني والمعماري، وأشكال من التنوع الثقافي.
الكتاب: المدن متعددة الثقافات في أوروبا الوسطى
تأليف: دلفين بيشتيل، كزافييه غالميش وآخرون
الناشر: بيلان باريس 2008
الصفحات: 295 صفحة
القطع: المتوسط
Les villes multiculturelles en Europe Centrale
Delphine Bechtel, Xavier Galmiche et
8002 siraP- nileB
P.295

