بادر بريت أنتوني جونسون، المحرر الثقافي لموقع مودرن لايبري المتخصص، بإجراء هذه المقابلة مع الروائي الأميركي بيتر ماتثايسن بمناسبة فوز روايته الملحمية الهائلة «بلد الظل» بجائزة الكتاب الوطني الأميركية البارزة، حيث ألقى الضوء على المخاض الهائل الذي برزت من خلاله هذه الرواية، وتطرق إلى طقوس عملية الكتابة كما يمارسها، وأعرب عن اعتقاده بأن الرواية في أفضل تقاليدها الإبداعية ستظل مهمة دائما لأنها تسبر أغوار الطبيعة البشرية وتحلل أعماق الشرط الإنساني.

كيف وصل إليك خبر فوزك بجائزة الكتاب الوطني التي تعد من أبرز الجوائز الأدبية الأميركية؟

بلغني النبأ عبر اتصال هاتفي، وكان مدعاة للتأثر الشديد من جانبي، خاصة وأن نبأ دخولي القائمة القصيرة للمرشحين لنيل الجائزة كان قد وصلني عبر الهاتف أيضاً، ولكن في مكالمة مع فيليب جورفيتش، الذي أعلنه خلال اجتماع لمجلة «باريس ريفيو» حيث بادر الجميع إلى التصفيق والهتاف ماعداي، وإن كنت بالطبع قد شعرت بالسعادة البالغة.

ما هي طبيعة عملية الكتابة حسبما تمارس طقوسها؟ كيف كانت كتابة «ثلاثية واطسون» وإعداد رواية «بلد الظل» تحريراً لتأخذ صيغتها النهائية مختلفة عن كتبك الأخرى؟

الخطوة الأولى في عملية الكتابة بالنسبة لي هي العكوف على انجاز خط خارجي أولي وغير مستقر على وضع نهائي للبناء السردي العام للكتاب، وهو الأمر الذي يستمر طوال عملية الكتابة تقريباً، ويتم بشكل سريع ولاهث ومتلاحق الاستمرار في كتابة ملاحظات حول الشخصيات، الموضوعات والأفكار وهنا وهناك لابد من انجاز كتابة ملخص لمشهد أو جزئية من حوار أو وصف معين، وكل هذه المادة مؤقتة بحيث أنه لا يلحق بالرواية الكثير من الضرر عندما ألقى بمعظم هذه المادة جانباً، ولا أدرجها في الكتاب. وفي غضون ذلك أقوم بصياغة معظم وجهات النظر المهمة والصياغات التي ستروي عبرها الرواية.

في رواية «بلد الظل» قمت باستعادة «ثلاثية واطسون» التي تخطف الأنفاس التي قمت بإبداعها، وجمعت الكتب الثلاثة في عمل سردي متصل، فماذا كان مفهومك الأصلي عن الرواية؟ وما هو الجانب الأكثر صعوبة في مراجعة الصفحات لتحقيق رؤيتك الأصلية؟

ربما كان الجانب الأكثر صعوبة في هذه المراجعة هو تنسيق عناصرها العديدة على امتداد ست سنوات من التحرير والإعداد المتواصل، مع حذف وإضافة الصيغ والقيام بإعادة كتابة كل جملة على وجه التقريب، أو كما أنظر إلى الأمر القيام بتعميق واستخلاص العمل بأسره.

الأركان الرئيسية لقصة واطسون هي العنف، الاستحواذ والاساءات الكابوسية إلى الفقراء وإلى البيئة. ونضاله في الماضي دائب كنضاله اليوم إن لم يكن أكثر إصراراً، هل تغير شعورك حيال هذه الشخصية منذ اصدار روايتك «قتل السيد واطسون» وهي الكتاب الأول في الثلاثية؟

إنني أتفهم واطسون (ونفسي) بشكل أفضل كثيراً بعد كل هذه السنين من سبر أغوار دماغه، وبدرجة ما فإنني يمكنني أن أسامحه. إنه سكير عنيف وقاتل بين الحين والآخر، هذا صحيح، ولكنه ذكي، وله رؤية عميقة للسلوك البشري، وهو يتمتع بالكبرياء والشجاعة أيضاً، ويمكن أن يكون طريفاً للغاية، على الأقل بحكم مفهومي للإحساس بالمرح. وفي النهاية، ورغما عن نفسي فقد وصلت إلى حبه.

ولكنني أعتقد أن مهمتي كانت جعل القارئ يحس بإنسانية الرجل «السئ» وربما الشعور بالندم على اهدار مثل هذه المقردة، عندما يلقى مصرعه.

هناك تماثل مثير للاهتمام بين الروايات التي أدرجت في القائمة القصيرة للجائزة التي فزت بها، وهو يدور حول أن كل هذه الروايات تركز على الماضي. ما الذي يجتذب الكتاب والقراء في الماضي؟

لو كان الأمر على الصعيد العاطفي وعلى مستوى الحنين فحسب، فإنني أعتقد أن معظمنا يتوق إلى «الأيام الخوالي» و«ذكرى الماضي» و«الفردوس المفقود» العائد إلى الطفولة على نحو ما نتوق إلى تذكره، أياً كان الماضي مزعجاً بالفعل. على الرغم من أهمية الأمور التي أتيت على ذكرها، فإن بذرة ومحرك الرواية، بالنسبة لي على الأقل، يكمنان في ذلك الشعور الخفي والذي يستعصي على التعبير عنه والذي أشرت إليه قبلاً، الذي لابد من عزله بصورة منفصلة وإبرازه تدريجياً خلال السرد.

من هو القارئ المثالي بالنسبة لك؟

ربما يكون القارئ المثالي هو القارئ الذي يتفهم ويقدر صعوبات ما يحاول الكاتب القيام به ويأمل في أن ينجح فيما هو بصدد إنجازه، بحيث أن الكاتب والقارئ يشعران كلاهما بالتحقق من خلال إبداعه.

ما هي الكتب أو الكتاب الذين تجد نفسك عاكفاً على إعادة قراء أعمالهم؟ وهل ترى أي تأثير لهم في عملك الراهن؟

هناك الكثير من الكتاب الرائعين والكتب العظيمة التي لم تقرأ، والتي نادراً ما أجد الوقت للقيام بإعادة قراءتها.

وفي وقت مبكر من حياتي التهمت أعمال كونراد، دستويفسكي، تولستوي، تشيكوف، كل أولئك الروس الرائعين «وقد قمت بإعادة قراءة «الأبله» و«الحرب والسلام» وأعجب كثيراً منذ ذلك الحين بالكثير من الكتاب، وكانوا مصدر إلهام لي، ولكنني بأمانة لا أتعرف على أي تأثير مباشر لهم في أعمالي.

منى مدكور