في عام 1898 قيل إن إدجار جي. واطسون، الذي كان يوصف بالأسطورة الحية وهو في الثانية والأربعين من عمره، قد قتل قبل تسع سنوات بيل ستار، ملكة العصابات الشهيرة، وذلك بحسب كتاب صدر في ذلك العام.

وقد كان واطسون سليلاً لعائلة بارزة من عائلات ساوث كارولينا، وزوجاً لخمس نساء، وأبا لعشرة أبناء، ورائداً شهيراً من رواد ساحل فلوريدا الجنوبي الغربي، والرجل الذي أرادته قتيلاً مجموعة كبيرة من جيرانه في عام 1910، وقد استحوذت هذه الشخصية الفريدة على اهتمام الروائي الأميركي بيتر ماتثايسن على امتداد ثلاثين عاماً.

بين عامي 1990 و1999 أسفر هذا الاهتمام الاستحواذي عن تقديم ماتثايسن لثلاث روايات عن واطسون هي على التوالي «قتل السيد واطسون» و«نهر الرجل المفقود» و«عظمة فأخرى».

اليوم تبرز رواية «بلد الظل» مع فوزها بجائزة الكتاب الوطني الأميركية التي تقع في تسعمئة صفحة، والتي يقول المؤلف في مقدمته لها إن مخطوطه الأصلي كان يقع في 1500 صفحة، وتم اقناعه باختزاله إلى ثلاثة كتب. و«بلد الظل» ليست استعادة للصياغة الأصلية وإنما هي صياغة هائلة، وصهر للصفحات الـ 1300 التي تتألف منها الثلاثية في مجلد واحد مؤلف من 900 صفحة.

ويلفت نظرنا أن «بلد الظل» تتألف من حيث التكوين من ثلاثة كتب داخل المجلد الواحد تتطابق من الناحية العملية مع الروايات الثلاث.

ويبدأ الكتاب الأول بوصف عبر ضمير الغائب لموت واطسون، ويمضي قدماً عبر شهادة رواة يبلغ عددهم 12 راوياً بضمير المتكلم يعود الكثير منهم للبروز في النص مرات عدة، وباستثناء ابنة واطسون، كاري، التي تطل علينا من خلال مذكراتها المكتوبة، فإن هؤلاء الرواة يتحدثون بالعامية وعبر ذكريات أخرى إلى التاريخ الشفهي الذي لا يعتمد عليه كثيراً، وغالبيتهم من الأصدقاء والجيران والعاملين الذين عرفوا واطسون على امتداد سنوات منذ عام 1894، عندما أطل في فلوريدا للمرة الأولى، وهم يعجبون بأخلاق واطسون ومظهره وتجديده لأساليب العمل، الذي أوجد مزارع لقصب السكر من أراض لم تكن تتجاوز أكواماً من القواقع.

وهم معجبون كذلك بلماحيته. وتقول عنه امرأة ما مي سمولود إنه «يبدو ويتصرف بما يتفق مع فكرتنا عن البطل» ولكن حتى أقرب معارف واطسون يخشاه ويهابه، وذلك يحدث في بعض الأحيان من جراء الخصال التي يعجبون به من أجلها، لكن هذا الخوف ينبع غالباً من حدة طبعه، وميله للشراب ومسدسه الحاضر دائماً.

لا يمر وقت طويل على قيام واطسون بإحضار زوجته وعائلته إلى داره في تشاتهام بنيد حتى يسمع الجميع بقصة قتله لبيل ستار، ويستمتع الرجل بتوظيف سمعته هذه لإخافة كل من يعتبره منافساً له، ولكن الماضي ما يلبث أن يطارده، حيث لا يستطيع إثبات براءته من قتل العديد من ضحاياه، وأخيراً عندما يوجه مسدسه إلى متهميه من الجيران، فإن الأمر ينتهي بهم إلى أن يرشقوه بـ 33 رصاصة تستقر في جثمان الرجل الذي يحمل لقب «واطسون الدموي».

والمؤلف يقوم بتنقل بارع بين الرواة لكي يشكل الصورة الخطية بشكل أساسي لبروز واطسون وسقوطه، ولكنه في الوقت نفسه يبدع العديد من المفارقات وأشكال الغموض ليس فيما يتعلق بعدالة موت واطسون أو الحقائق المتعلقة بحياته وإنما حول المواقف المتناقضة لأولئك الذين يدعون الرجل بلقب «الإمبراطور واطسون» وينتهي بهم الأمر إلى قتله أخيراً.

والكتاب الأول من رواية «بلد الظل» يبدو لنا بكل ما يحفل به من أمور تاريخية وأسطورية ملتبسة أكثر عمقاً من رواية «أبسالوم، أبسالوم» في تقديمها للجنوب الأميركي، ونلمح الكثير من ملامح الشبه بين واطسون وبين توماس سوتبين، بطل رواية وليام فوكنر الآسرة.

وفي هذا الكتاب الأول يتم الكشف عن ظل «السقطة» التي يتعرض لها البطل بالمعنى الاغريقي من خلال جوقة من الأصوات الفردية، وإلى لمسة الكبرياء المأساوية التي نجدها في رواية فوكز يضيف ماتثايس الافتقار المفارق للكبير الكامن في رؤية جثة «الإمبراطور واطسن» وهي تدفن وحياته وهي تروى على لسان العاملين في مزرعته الذين كان يتحكم في حياتهم شأن سوتبن، بطل فوكز.

ويبدو لنا الكتاب الثاني من «بلد الظل» أكثر اتساماً بالطابع التقليدي في حبكته مقارنة بالكتاب الأول، حيث تلتقي بقصة سعي لوشيوس واطسن الاستحواذي وراء الحقيقة فيما يتعلق بأبيه، فهو دارس للدكتوراه في التاريخ يجوب أرجاء الجنوب الأميركي في العشرينات من القرن الماضي للقيام بأبحاث أرشيفية مع أبناء الجنوب، ويلتقي بأخيه روب المفقود منذ زمن بعيد.

ويفلح لوشيوس في الوصول إلى إجابات عن بعض الأسئلة الملحة: هل قتل واطسون الزوجين الشابين اللذين اتهم بالقضاء عليهما؟ هل قتل قاطعي القصب السود الذين لم يستطع دفع أجورهم؟ هل كان الخلاسي هنري شورت هو أول من أطلق النار على واطسون؟

في نهاية الكتاب الثاني بفلح لوشيوس في الانعتاق من ماضيه ومن مشروعه لدراسة سيرة حياة أبيه لكن ماتثايسن لا يفلح في القيام بذلك.

في الكتاب الثالث نحن على موعد مع تخيل لصورة واطسون عن حياته بأسرها. ويمكننا أن نثق في الصورة التي يقدمها لنا عن الحقائق، ولكن ليس في التفسيرات والتبريرات التي يقدمها لنا حول هذه الحقائق.

ونحن نعلم، في هذا الإطار، أن واطسون قد تلقى ضرباً مبرحاً عندما كان صبياً صغيراً، وانه يعتقد أن دماغه قد تضرر مما نجم عنه وجود شخصيتين منفصمتين له، هما إدجار، رجل العائلة، وجاك، القاتل الغاضب.

غير أن القارئ لا يملك إلا التساؤل عما إذا كان واطسون أو ما تثايسن هو الذي يحول البطل إلى حالة من حالات علم الباثولوجي، وجعله ضحية للإساءة إليه خلال طفولته.

وبالنسبة للقراء الذين يرغبون في الربط بين كل هذه النقاط فإن القصة التي هي بمثابة خلفية للبطل والتي يقدمها الكتاب الثالث عن شبابه ومغامراته في غرب فلوريدا وشمالها هي بمثابة حسم يلقى الترحيب.

غير أن القارئ لا يمكن إلا أن يلاحظ أن عملاً على مثل هذا القدر من الشموخ والاقتدار، لأنه عمل حياة بكاملها من الإبداع في واقع الأمر، لا يمكن أن يخلو من عيوب، بعضها ليس بالهين ولا اليسير بأي حال.على سبيل المثال، فإن الكتاب الثاني يحفل بالدروس في التاريخ التي أدرجها المؤلف، والمستمدة غالباً من عكوفه على إجراء أبحاث مكثفة للإعداد لعمله، وهي دروس لم يكن واطسون الإنسان ولا واطسون الشخصية التاريخية بحاجة إلى إدراجها في الرواية.

وحديث الرجل الميت الذي يقدمه لنا المؤلف في الكتاب الثالث يبدو إلى حد بعيد قريباً من أضعف ما يقدمه فوكنرلنا في شخصية توماس ستوبين في رواية «أبسالوم، أبسالوم»، مع فارق لا يمكن إلا أن يلفت نظرنا، وهو أن فوكنر كان أبرع من أن يدع ستوبين يروي نصف روايته على لسانه، ولكن هذا هو بالضبط النصيب الذي يعطيه مانثاسن لبطله الميت في «بلد الظل».

لقد كان واطسون يعيش في مستنقع هائل قريب من عدد كبير من الجزر. وروايتا «قتل السيد واطسون» و«نهر الرجل المفقود» هما بمثابة أرخبيلات متشابكة من سرد الروايات القائمة على الحقائق.

لكن ماتثايسن من خلال تقليص رائعته الثلاثية إلى مجلد واحد ضحى بالخصائص التي منحت هاتين الروايتين الأوهام الداعمة للأصالة والتجرد من الصنعة.

والكتاب الأول يتمتع بهذه الخاصية، لكن «بلد الظل» بكاملها تظل أقرب إلى الطريق العابر للمستنقعات، فهو يقدم ممراً أسرع وأسهل، لكنه يفتقر إلى الكثير من الظلال.

على الرغم من هذه العيوب، فإن «بلد الظل» تظل عملاً روائياً شامخا، يفند ما يذهب إليه البعض من أن الأدب الأميركي لم تعد لديه أعمال كبرى تستقطب اهتمام العالم عن جدارة.

ويؤكد أنه وسط الكثير من العادي والمألوف الذي تقدمه المطابع الأميركية هناك أيضاً الفذ والمدهش الذي يستحق القراءة، بل والذي ينبغي أن يحظى بأكثر من قراءة.

الكتاب : بلد الظل

تأليف: بيتر ماتثايسن

الناشر: مودرن لا يبراري نيويورك 2008

الصفحات : 892 صفحة

القطع: المتوسط

Shadow Country

Peter Matthiessen

Modern Library 8002 Y.N

P.892