ترجع فكرة الكتاب إلى ملاحظة حال الاستفحال المتزايد للانسداد السياسي الذي ترزح فيه البلدان العربية المعاصرة فيمنعها من التقدم أو من فتح الأفق نحو التقدم، ويضغط على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها
لا يقدم الدكتور عبد الإله بلقزيز في هذا الكتاب بحثاً نظرياً في الدولة والمجتمع، مع أنه يدعو إلى وجوب تدشين تفكير نظري في مسائل الدولة والسلطة والمجتمع المدني في الفكر العربي، لكنه يقدم تأملاً في جدلية حادة وشديدة التوتر تحكم الاجتماع العربي المعاصر، هي جدلية التوحيد والانقسام التي تشتغل في نسيجه الداخلي باحتدام، وتضعه مع ظاهراته المختلفة في حال من المراوحة المديدة بين التماسك النسبي والتشظي المتسع نطاقاً.
ويمرّ التفكير في هذه الجدلية، حكماً، بالتفكير في الدولة والمجتمع في البلدان العربية المعاصرة بحسبانهما مسرح تلك الجدلية، والفاعل الكبير في إنتاج دينامياتها، والجهة التي ترتد عليها نتائجها إيجاباً في النادر وسلباً في المعظم. ويبحث في إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع بوصفها الإشكالية الأم التي تندرج في نطاقها بحث الجدلية التي اعتنى كتابه بتناولها.
وترجع فكرة الكتاب إلى ملاحظة حال الاستفحال المتزايد للانسداد السياسي الذي ترزح فيه البلدان العربية المعاصرة فيمنعها من التقدم أو من فتح الأفق نحو التقدم، ويضغط على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها إلى الحد الذي يأخذ تناقضاتها الاجتماعية إلى التعبير عن نفسها في صور من العنف الأهلي تنذر بالانفجار الكلي بعد أن جرى شيء منه جزئياً ـ في بعض من تلك البلدان.
إضافة إلى ملاحظة طغيان تفكير أيديولوجي وانتقائي لظاهرة الانسداد السياسي تلك، اذ الغالب على من يتناولها أنهم يستسهلون الانطلاق من مقدمات مبسطة ومريحة للوصول إلى استنتاجات تصدر عنها حكماً، وكأنها نتائج قاد إليها التحليل! يريح بعضهم أن ينتهي ب«التحليل» إلى إنزال حكم الإدانة على الدولة وتحميلها وحدها وزر هذا التدهور الذي وصلت إليه علاقات الاجتماع الوطني.
ويحلو لبعضهم الآخر أن يذهب ب«تحليله» إلى إدانة المجتمع القروسطي المتخلف المستمر مُقنعاً في صورة مجتمع «حديث».
ويدعو عبد الإله بلقزيز في كتابه إلى ثلاثة مطالب، تتحدد في الدعوة إلى تفكير حقيقي في مسألة الدولة على الأصول النظرية والارتفاع عن مستوى كلام العموميات السائبة والكف عن الثرثرة الأيديولوجية في مسائل الاجتماع السياسي. ودعوة إلى نقد مزدوج، للدولة وللمجتمع على السواء، وإلى القطيعة مع النظرة الانتقائية إلى الموضوع.
ثم دعوة إلى أن ترفع النخب السياسية العربية درجة انتباهها إلى ما تأخذ مجتمعاتنا إليه بعض الخيارات السياسية الانتحارية من فتن وحروب أهلية تدمر البقية الباقية من تلك المجتمعات. وعليه فإن الكتاب يشكل صرخة في وجه الفتنة، وصرخة ضد الانتقائية الأيديولوجية في التفكير وضد الخمول النظري والكسل المعرفي.
ويعتبر عبد الإله بلقزيز أن المجتمع ولد مرتين في تاريخ النوع الإنساني، مرة كمجتمع طبيعي التحم فيه الأفراد بروابط النسب والجوار فقامت جماعات طبيعية كانت، في سلم التطور، دون المجتمع مرتبة لغياب مبدأ التنظيم الذاتي فيها، ومن دون أن يعني ذلك حكماً غياب أشكال بدائية أو ابتدائية من تقسيم العمل فيه.
وولد المجتمع مرة ثانيةً حين قامت فيه الدولة؛ وتلك كانت ولادته الحقيقية كمجتمع، لأنه من خلالها فقط أمكنه أن يحقق تنظيمه الداخلي، ويقسم العمل فيه، ويوزع السلطة بين أفراده فئاته.
ويعبر عن نفسه وعن ماهيته، ويحمي كيانه الذاتي من خطر العدوان عليه، ويردع العدوان الداخلي بين جماعاته، ويفرض احترام إرادته من خلال التمييز بين حقوق الأفراد والجماعات وحقوق المجتمع ككل ومن خلال احترام فكرة الواجب. وكانت الدولة ثورة في تاريخ المجتمع بمقدار ما كانت تأسيساً جديداً لمعنى المجتمع ولوجوده التاريخي ككيانية اجتماعية جديدة مسيطرة على ذاتها ومقررة لمصيرها.
ثم قام من التاريخ دليل متكرر على أن تلك الثورة كانت تنتكس كلما دب الوهن في الدولة، أو استبدت بها أزمة، أو أصابها سقوط تحت قبضة عدوان من الخارج.
وعندما يجري الحديث عن الديمقراطية كنظام سياسي، ينصرف حكماً إلى التفكير في العلاقة السياسية التأسيسية الحاكمة لهذا النظام، وهي علاقة المواطنة، حيث تفترض المواطنة مادتها في المواطنين. وهؤلاء ليسوا شيئاً آخر غير أفراد أحرار متساوين أمام القانون في حقوقهم السياسية لأنهم متكافئون في أداء ما عليهم من واجبات للدولة، مثل دفع الضرائب، أداء الخدمة العسكرية، التضحية عند الضرورة..إلخ.
ذلك أن ما يقضي به التعاقد المبرم بين بعضهم البعض على تفويضهم الدولة للقيام على أمرهم وتأمين الخدمات العامة والحماية للمجتمع، كما يقضي به التعاقد بينهم وبين الدولة، والدستور صيغة من صيغه، على التوزيع المتوازن بين الحقوق والواجبات.
أما عند الحديث عن الحرية، فإنه يفضي إلى الأفراد، لأن الحرية تعني، بالتعريف، جملة ما يتمتعون به في الدولة الحديثة كأفراد من حقوق مدنية وسياسية. وهي حقوق لا تعترف بها الدولة فحسب، بل تكفلها لهم وتضمنها بالتشريعات والقوانين، حتى ان العدوان عليها لا يستوجب تحصيل الفرد حقه المنتهك أو المغتصب بمقتضى القانون كحق فردي أو مدني فحسب،.
بل يستوجب أن تأخذ الدولة نفسها حقها أو الحق العام ممن انتهك ذلك الحق، وعليه تبدو مركزية الفرد واضحة هنا أشد الوضوح حين يتعلق الأمر بالحرية. وبناء على ما تقدم، فإن الحديث لا يستقيم في المجتمع المدني من دون التسليم بمكانة الفرد أو الأفراد في هذا المجتمع.
وإذا كان المجتمع المدني، في فلسفة القرن التاسع عشر، هو مجتمع المصالح المادية ومجتمع المصالح الخاصة، فإن الأفراد المواطنين في الدولة هم من يعنيهم بالأساس تحقيق تلك المصالح.
فالشخص الملموس، الذي هو شخص مفرد، كما يقول هيغل، هو «المبدأ الوحيد في المجتمع المدني البرجوازي». وليس هذا سوى الفرد / المواطن في الدولة الحديثة.
الكتاب: الدولة والمجتمع
تأليف: عبد الإله بلقزيز
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2008
الصفحات : 167 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش
