لم تكن اللغة الحميمة التي كتب بها «أمارتيا» كتابه «الهوية والعنف» وحدها، سببا في تعلق القارئ فور مطالعته للمحتوى.. بل هناك العديد من التجارب الإنسانية، ومنها تجربة الكاتب الذي شاهد وهو في الحادية عشرة من عمره (في دكار) مسلما يلتجئ إلى أبيه لإسعافه، بعد أن طعنه أحدهم من «الهندوس» حتى الموت!.
. فضلا عن المراجع التوثيقية الهامة في الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع.. ثم وجهة النظر الثاقبة نحو إنسانية الإنسان، أيا ما يكون دينه أو لغته أو لون بشرته أو أي تصنيفات أحادية له.
تعتمد فكرة جوهر الهوية عند الكاتب، على توجه تعدد هويتنا.. فكل إنسان له صفة الانتماء لعدد من الحلقات والانتماءات التي قد تبدأ بجنسه ذكرا أو أنثى وتنتهي ـ ربما ـ بصفته القارية «الإفريقي ـ الآسيوي..» ثم أخيرا كونه إنسانا.
وقد أرجع الكاتب إلى أن سر الصراعات والحروب تبدأ بفهم ضيق للهوية، مثلا «المسلم» كصفة واحدة ووحيدة للعرب مثلا، لتنتهي إلى «صراع الحضارات» التي شاعت في العقد الأخير. هكذا أصبحت مفاهيم الهوية ودلالاتها عنده ذات بعد إنساني استحق معها حصوله على جائزة نوبل عام 1998م.
وعرض الكاتب للخلل المفاهيمي في رؤية الإنسان على أساس انتماء واحد «الانتماء الديني»، ووصفها بأنها نظريات تعانى من اضطرارها لتجاهل خاصية عدم تجانس الانتماءات الدينية التي تميز معظم البلدان ومعظم الحضارات.
وقد توقف الكاتب أمام بعض الظواهر وعلاقتها بالانتماء لهوية ما، كما التسامح والتنوع مع الهوية الإسلامية. أشار إلى تجربة السلطان جلال الدين محمد (الهند في القرن السابع عشر)، وقد طالب بما أسماه «طريق العقل» بشأن اختيار الفرد لدينه وحرية الحوار حول الأديان.
والحق أنه واجه معارضة كبيرة من بعض رجال الدين الإسلامي، وقد خلص الكاتب، إلى أنه يمكن رصد المواقف المختلفة لمسلمين صالحين، دون أن يشتركا في المواقف السياسية. وقد اعتبر التساؤل الذي قد يثيره البعض: هل الإسلام يؤيد التسامح؟ أم لا يؤيده؟ فيرى أن السؤال (نفسه) غير صحيح، لأن الهوية الإسلامية لا تمنع من تبنى مواقف مختلفة.. دون أن يتعارض ذلك مع كونه مسلما.
وعلى المستوى الاجتماعي، أشار الكاتب إلى كتاب «زينة العالم» للكاتبة «ماريا روزا» التي وصفت فيه «قرطبة» الأندلس بأنها زينة العالم، لما وصلت إليه من تقدم ورقى. وقد أرجعت الكاتبة ذلك إلى عدد من العوامل، منها أن تعاون واشتراك الوزير اليهودي «هازدى بن شبروت» مع الخليفة المسلم «عبد الرحمن الثالث»..
وقد خلصت الكاتبة في النهاية إلى أن هناك العديد من البراهين تؤكد على أن وضعية اليهود بعد الفتح الإسلامي «كانت تحسنا من كل الوجوه، حيث انتقلوا من أقلية مضطهدة إلى أقلية تحظى بالحماية».
وهكذا التقط الكاتب مفهوم «الهوية الكوكبية» من واقع الأحداث اليومية، وهو ما يعتبرها إضافة جديدة إلى مفاهيم وظواهر «الهوية»، مؤكدا أن تلك الهوية الجديدة ـ تجاوزا تعتبر جديدة ـ لم تلغ هويات أخرى، عقائدية كانت أو سياسية أو حتى ثقافية واجتماعية.
لم ينته الكاتب من كتابه الهام، قبل أن يناقش بعض المفاهيم التي شاعت خلال العقد الأخير. من تلك المفاهيم تعدد الثقافات ومشكلة «الأحادية الثقافية المتعددة»، قد يظن البعض أنه يتحدث عن التعددية الثقافية، مع ظاهرة تعدد الممارسات داخل القطر أو الإقليم الواحد، مثل سلوك المسلمين الانجليز داخل المجتمع الانجليزي. ويرى أن حقيقة التوصيف هي أن هناك أحادية ثقافية تتسم بالتعدد أو التعددية للثقافة الواحدة.
مشكلة مقولة الهوية العرقية أو الدينية وحدها، لأنه لا يمكن النظر إلى الناس من خلال انتماءاتهم الدينية فقط، أو أي انتماء آخر وحيد. وقد تقرر شخصية ما أن هويتها العرقية أو الثقافية أقل أهمية من قناعاتها السياسية على سبيل المثال، أو التزاماتها المهنية، أو محاولاتها الأدبية..الخ.
الكتاب: الهوية والعنف
تأليف: أمارتيا صن
ترجمة : سحر توفيق
الناشر : سلسلة عالم المعرفة الكويت 2008
الصفحات: 208 صفحة
القطع: المتوسط
السيد نجم
