شكل فيلم «قانون الشارع» أو «سمك المقعقعة» طوق نجاة للمخرج الأسطوري فرانسيس فورد كوبولا في لحظة حرجة من مسيرته الفنية إثر إخفاق فيلم «مباشرة إلى القلب»، الذي تسبب بإفلاس شركة الإنتاج التي كان يملكها، كما تمكن هذا العمل السينمائي من التربع على عرش أفضل الأفلام التي تتناول موضوع الشباب في تاريخ السينما العالمية.

باسل أبو حمدة

في عام 1983، كان فرانسيس كوبولا في الحضيض بعد الفشل الذريع الذي لحق بفيلمه «مباشرة إلى القلب» أو «واحد من القلب»، الذي أنتجه عام 1982 وأدى إلى إفلاس أستوديو «زويتروب» الخاص به بعد أن حقق له شهرة واسعة، الأمر الذي وضع المخرج العملاق أمام مفترق طرق، إذ تعين عليه تجديد نفسه أو الموت.طوق النجاة تمثل في أمر تعرفه السينما الأميركية على نحو جيد: قصص الشبان، الدراجات النارية، والجاكتات الجلدية. في البداية كان فيلم «الدخلاء» 1983، الذي تمثلت ميزته الأولى في جمع عدد من الممثلين الشباب الذين كانوا في طريقهم إلى النجومية آنذاك: توم كروز، ميكي روري، ماك ديلون، باتريك سويزي وروب لو. لكن بعد فترة قصيرة، ارتأى كوبولا إنتاج نسخة داكنة ومأساوية وبالمكونات القائم عليها موضوع قانون الشارع نفسه.

بمبلغ قليل من المال وبالأسود والأبيض وغنائية قلما شوهدت من قبل، روى المخرج المبدع قصة «صبي الدراجة» في هذا الفيلم الذي يؤرخ للحظة فاصلة في تاريخ السينما العالمية عموما وعلى صعيد أفلام الشباب على وجه الخصوص والذي أكمل هذه السنة 25 عاما من عمره.

«صبي الدراجة»، الذي قام بدوره ميكي روري ـ الذي ظهر بقوة مؤخرا في فيلم «المصارع» ـ كان الشرارة الرئيسية لأسطورة الشقيق الأكبر روستي جيمس (مات ديلون) وشكل أيقونة بالنسبة لذلك الجيل من المراهقين، لا يزال اسمه مرتبطا بالنجاح الذي لم يحققه قط، ترابط يشبه إلى حد كبير مسيرة روركي نفسه.

«يبدو متقدما كثيرا في العمر بعد مرور 25 عماما»، على حد تعبير ذلك الفريق من الشبان المكون من مات ديلون، نيكولاس كيج وديان لين من بين آخرين والذي ورث قصة «الدخلاء»، ذلك أن فيلم كوبولا صور قبل ذلك بوقت قصير حسب رواية كتبها إس.إف.هنتون.

المرة الأولى التي عرض فيها «قانون الشارع» كانت في مهرجان نيويورك السينمائي في 7 أكتوبر 1983، واعتبره النقاد الوجه الآخر الأكثر ظلمة وتجريدا وانهزامية للشباب في تجربة مخرجه، الذي لم يكن قد تعافى بعد من ارهاصات اغلاق استوديو «زويتروب» ومن فشل «مباشرة إلى القلب» (واحد من القلب) وهو فيلم موسيقي استعراضي انتحى أسلوبا بدا سوداويا زيادة عن اللازم بالنسبة لأذواق تلك اللحظة الزمنية.

وبصورة مثيرة للفضول، استعادت نفس كوبولا المحطمة خطوتها السريعة بطريقة محفوفة بأكبر جرعة ممكنة من المخاطر بهذا الفيلم ذي المناظر الخلابة القائم على الصورة التعبيرية والموسيقى المعاصرة التي عهدت إلى ستيوارد كوبيلاند، الذي كان ما يزال عضوا في فرقة «ذي بوليس» في تلك الأيام.

الفيلم تحول على الفور إلى ظاهرة ثقافية وراح يغذي هواجس جيل من متذوقي السينما ونقادها، لكن وكما كان يمكن رؤية ذلك بوضوح فإن الفيلم مني بفشل ذريع أمام شباك التذاكر، حتى انه لم يعرض في تسعينات القرن الماضي إلا لماما وفي عروض خاصة في بعض بلدان أميركا اللاتينية.

في اللحظة التي عرض فيها الفيلم، ورد في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن «كوبولا يغرس في الذهن قصة مراهقين يتمتعون بميل مرتجل للأوبرا، قصة الأصوات الحادة والمتناقضة في التيار التعبيري الألماني، قصة قلق الوجودية، قصة خيال الدادائية»،.

وتتابع الصحيفة الأميركية، التي أعطت الفيلم أربع نجمات ونصف النجمة من أصل خمس، وتقول إن «التصوير المدهش بالأبيض والأسود في قانون الشارع يقوم بعمل كمادة باردة مخففا من وطأة فيلم لو عرض على نحو مختلف لكان حقق نجاحا كبيرا». وهكذا، فإن الحكاية اكتسبت نبرة فنية مميزة إلى حد كبير كانت كفيلة بتحويلها إلى عنوان للعبادة.

وتلك الحقبة القذرة والهذيانية وغير الصحية أبرزت قانون الشارع كتجربة حسية على الرغم من أن بيئة الفيلم تعكس حقبة حيوية ملموسة محاطة بعناصر يمكن التعرف إليها جيدا في خمسينات القرن الماضي، إلا أنه لم يلق سوى استحسان مؤقت من جانب الجمهور.

عاد كوبولا ليعطي دور البطولة من جديد لشخصية تتمتع بحضور مادي شحيح، لكنها تمارس تأثيرا هائلا، على غرار شخصية الجنرال كورتز في «القيامة الآن» 1979 أو فيتو كورليوني في «العراب» 1972، في مسار تطور الفيلم إلى الدرجة التي يصبح معها الجميع سبب ونتيجة لأعمالهم إلى حد ما.

إلى جانب ذلك، فإن الساعات الموجودة في كل مكان والمضخمة بفعل فرقة كوبيلاند الموسيقية الصادحة والتي تعيد إلى الأذهان قوة وحوية وتطلعات جيل الشباب في تلك الفترة تلقي الضوء على ما يتركه الزمن وراء ظهره.

«الزمن عنصر مثير جدا للفضول. عندما تكون شابا، تكون طفلا، لديك الوقت لكل شيء. ومن ثم تمضي بضع سنوات هنا وهناك لا تشكل فارقا كبيرا في الحياة. لكن كلما تقدم بك العمر وأصبحت مسنا أكثر، فإنك تسأل نفسك بصورة متزايدة: كم من الوقت تبقى لي؟»، هذا ما خلصت إليه الشخصية الثانوية التي جسدها المغني توم ويتس في الفيلم.

يبدو أن كوبولا كان يتأمل ويمعن النظر آنذاك في وضع الغسق المبكر الذي كانت تمر فيه مسيرته الفنية.

لكن بعد صدفة ذهبية في مهرجان «سان سيباستيان» وسعفتين ذهبيتين في مهرجان «كان» وعدة جوائز «أوسكار»، استهل من جديد درب المتناقضات الذي لم يحد عنه حتى يومنا هذا، وذلك عندما حاول الرجوع إلى التجريبية في «شباب بدون شباب»، فيلمه الأخيثر الذي ظهر عام 2007.

«إذا كنت ستقود الناس، يجب أن يكون لديك موقع تذهب إليه»، هذا ما قاله ميكي روركي لمات ديلون في الفيلم، بينما أهدى كوبولا قانون الشارع لأخيه أوغوست، الذي كان يقدره كثيرا لكن الذي عمل لديه مستخدما في شركته الانتاجية «زويتروب».

«وددت أن أكون الشقيق الأكبر الذي رغبت به دائما، لكني لن أتمكن من تحقيق ذلك أفضل منك: سوف أرمي السمكات إلى النهر»، هكذا أصدر حكما في خاتمة «فتى الدراجة» على سبيل الإشارة إلى إنهيار حلم أخيه.

سمكات العنوان الأصلي «سمك القعقعة» تحولت بذلك إلى استعارة مجازية لكل الفيلم إلى جانب اللون الوحيد فيه وانعكاس روستي جيمس في سيارة الشرطة.

وطبقا لما يوضحه هذا العمل السينمائي العملاق، فإن هذه الحيوانات لا تستطيع تقاسم حوض السمك، لأنها تقتل بعضها بعضا. لكن عندما تصل إلى النهر، كما يؤكد رورك، من المحتمل أن تنسيها الحرية والفراغ وضعها الدفاعي الخالد.

كوبولا في سطور

فرانسيس فورد كوبولا مُخرج، مُنتِج، وكاتب سيناريو أميركي من أصل ايطالية، حصل على جائزة الأوسكار خمس مرات. وُلد في 7 ابريل 1939 في ديترويت. كوبولا أيضاً ناشر مجلات، وتاجر، وفُندقي. حصل على ماجستير الفنون الجميلة في إخراج الأفلام. تعود شهرته إلى ثُلاثيته الشهيرة «العراب»، وفيلمه «المحادثة»، وملحمة حرب فيتنام «القيامة الآن».