السؤال مازال ملحاً.. هل هناك أدب رجالي.. وأدب نسائي؟ فمنذ القدم كان الرجل هو الذي يكتب ويبدع في وقت كانت فيه المرأة مكبلة بتقاليد وعادات قيدت طاقاتها الإبداعية الكامنة بداخلها، وبالرغم من عدم اعتراف البعض أو محاولاتهم للانتقاص من حق المرأة في الإبداع والحقوق، إلا أن البعض يؤمن بأن المرأة بشر لها مشاعر وأحاسيس تفوق الرجل كثيراً، ومع تطور الزمن استطاعت أن تشق طريقها بقوة وأصبحت منافسة للرجل في كل المجالات، كتبت القصة والشعر وغنت ورسمت وتفوقت.
بعض الأديبات اعتبرن هذا النجاح الذي أفقد الرجل الرهان، سبباً في أن يدقق الرجل في كل كلمة تكتبها المرأة بل وحتى ما بين السطور، حيث استطاعت أن تفصح عن مشاعرها وقالت ما لم تكن تستطيع أن تقوله في زمن سابق، وبعدها أطلق على ما تكتبه »أدب نسائي« أو »أدب المرأة«، وهذا ما جعل الكثيرين يتساءلون: هل هناك أدب للنساء وحدهم؟!المخالفون لهذه التسمية أكدوا أن ما تكتبه المرأة هو نفس ما يكتبه الرجل، وأشاروا إلى أن اسم الكاتبة أو الكاتب على الأغلفة هو الذي يحدد هوية الكاتب وجنسه، إلا أن آخرين يصرون على أن للمرأة بصمة خاصة في كتاباتها وأغلبها تتركز على لغة الجسد والتعبير عن مكامن أرهقت المرأة للخروج من حالات الكبت المتمثل في حزمة اللاءات والممنوعات المقررة عليها وحدها من بين أفراد الأسرة.. وفى المساحة ما بين هؤلاء وهؤلاء نتجول للبحث عن المرأة في مفهوم المثقفين والأدباء وهوية ما تكتبه.
سطور المرأة الشاعرة ابتهال سالم تؤكد أن إمكانية تفتيش الرجل داخل سطور المرأة أو تفتيش المرأة داخل سطور الرجل، ذلك في ظني أعراض لمشكلة كبرى، تتعلق بالمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي بل النفسي أيضاً لأي مجتمع، فإذا كان المناخ السياسي ديمقراطياً أو حتى ليبرالياً أو مستنيراً، فأعتقد أن الاثنين ـ الرجل أو المرأة ـ سوف يجدان أموراً وقضايا أهم من إهدار وقتهما في نبش كل منهما داخل جلد الآخر. هذا من ناحية ما ينبغي أن يكون، فمنذ قديم الأزل في المجتمعات الشرقية يرى الرجل أن المرأة ملكاً خالصاً له هكذا نشأ وتربى، وهكذا صار العرف الاجتماعي بين الناس، المرأة ملك لأبيها ولأخيها ثم لزوجها بالتبعية، مسألة استقلالها فكرياً ووجدانياً شيء غير مقبول حتى الآن. وإن كان هناك قلة من الرجال المستنيرين يحاولون تقبل تلك الاستقلالية، ولكنها تصطدم أحياناً بالعرف الاجتماعي الذكوري السائد، وبعادات وتقاليد بالية تقيد حرية المرأة واستقلالها الفكري والوجداني، وأنا أرى أنها أزمة مجتمع في الأساس سواء من الأب أم الأخ أم الزوج، وأحياناً من المرأة نفسها قد تكون تلك المرأة »الأم« تقيدها عادات وتقاليد متخلفة أو »زميلة عمل« متطرفة في آرائها أو جاره.. إلخ.
وتضيف سالم: المشكلة تأخذ بعداً أعمق إذا ارتبط الرجل بكاتبة أو مثقفة متمردة أو أي امرأة لها علاقة بالكتابة بشكل ما باعتبارها ملكية خاصة.
ولأنها لابد أن تكون له جسد وعقل حسب التفكير القاصر في الرؤية فلابد أن يطلع على سطورها ربما أنها في ظنه تخفي أموراً أو تفضح أسراراً بين سطورها لا يعرفها، ربما تقول أشياء ليست على هواه ربما تصفه بمعان غير التي ترددها أمامه، ربما تحب آخر، ربما تدبر له مصيبة »كما دبرت بطلة الرواية لصديقها« إلى آخر تلك التأويلات من خلال السطور، حتى لو كانت نابعة من واقع افتراضي غير موجود إلا في عقله، وتظل تلك الوساوس تحكمه تجاه المرأة التي لها علاقة بالكتابة حتى بعض المثقفين يعيشون تلك الحالة من الشيزوفرينا بين ما يعتقدونه من حريات للمرأة وما يمارسونه بالفعل ».
وليس كل المثقفين الرجال على تلك الشاكلة بالفعل«، ولكي تتغير تلك النظرة لابد أن تتغير سياسة المجتمع نفسه، وأن يبذل مفكروه المستنيرون جهداً أكبر في تعديل الكثير من القوانين الاجتماعية والتشريعية التي تحد من حرية الرجل والمرأة معاً.
المرأة المبدعة
واستهلت الشاعرة فاطمة ناعوت حديثها بما قاله »جوزيف جويل« وزير إعلام هتلر إنه يتحسس مسدسه إذا ما أمسكت المرأة بالقلم والبعض الآخر يصوب »الناشنكا« ويرقب، فيما أخذ البعض يطلق النار القليل وحسب لا يصدق أن المرأة كائن ناقص، فضلاً عن جواز أن يكون مميزاً ومبدعاً، هذا القليل صدق »كمولد برج« حين ذهب إلى أن العقل البشري لا نوع له، المخ آلة بيولوجية وظيفتها التحليل والتبصر والحيلة والخلق مثله مثل الكبد والبنكرياس والقلب الذي يتشابه عند الرجل مثله عند المرأة، بل مثله عند الفأر والأسد، لكن بعض هذا القليل المستنير!
ما أريد أن أوجزه الآن هو أن المرأة المبدعة تخوض حربين في ساحتين متجاورتين بسلاح واحد وجسد واحد وروح واحدة لو أزهقت لانتهى الأمر، الحرب الأولى هي حربها في فضاء الورقة لتكتب الجديد، هي الحرب التي يخوضها الرجل كذلك وتلك حرب نبيلة، الحرب الثانية غير النبيلة التي تخوض غمارها وحدها، وهي الأصعب فهي أن تثبت أو لا، أنها إنسان كما أكدت »سيمون بوفار« حين قالت المرأة: تولد إنسان لكن المجتمع يجعل منها امرأة.
مذكرات شخصية
إلى هنا ترفض الشاعرة »نجاة علي« التعميم وتقول: أولاً لا نستطيع أن نقول إن كل المجتمعات الغربية تنظر للأدب والإبداع النسائي على أنه مذكرات شخصية وتجارب ذاتية، فما زالت توجد شريحة عريضة تفصل العمل الإبداعي أو الأدبي عن جنس صاحبه سواء رجلاً أم امرأة.
وتقييم النص الأدبي فقط، دون أن تأخذ في اعتبارها جنس الكاتب أو جنسيته أو أي اعتبارات أخرى، ولكني أيضاً لا أنكر أنه توجد فئة كبيرة وبعض الناس فعلاً يتعاملون مع إبداع المرأة بعدسة مكبرة، يحاولون قراءة ما وراء وخلف وتحت وفوق السطور طلباً في سر ساقط أو رمز لشخص أو ما شابه ذلك، وتلك المجتمعات مازالت تعاني من كبت وتخلف ونظرة محدودة للأمور لأن من يفعل ذلك..
ينظر تلك النظرة لنصوص المبدعة الأنثى أي حقها في التخيل والإبداع والخلق وكأنها مخلوق أقل أو كائن جديد على الكتابة، فإذا كتبت فإنها تجاربها الخاصة.
ويتربصون لها، ويبحثون في أوراقها تربص المتلصص، ولكن للحق توجد بعض الكاتبات التي تروج لكتاباتها بالجرأة الشديدة في التناول بغرض »الصدمة«، وللفت الأنظار إليها، ولجذب أكبر قدر من الشرائح لإنتاجها، وطبعاً هذا موجود، ولكن أيضاً ليس بكثرة، الخلاصة اننا كمبدعات نرجو مزيداً من الحرية مزيداً من احترام إبداع المرأة فهي ليست بالكائن الأقل.
رحماكي يا مجتمعاتنا
أما الكاتبة فتحية العسال فأكدت أنه مما لا شك فيه أن مجتمعاتنا العربية تحكمها عدة تقاليد وعادات بالية وتلك العادات تحاصرنا دائماً في كل شيء في العمل وفي المعاملات، ولكن أن تنتقل للأدب والإبداع فتلك مشكلة كبيرة لأن الإبداع يحكمه إطار مرجعي من خلفية ثقافية من تجارب وقدرة على الخيال والتخيل في مساحات من التأمل والتحليل فلا يمكن أن يكون أي إبداع تجارب ذاتية وراءها أبطال حقيقيون هذا شيء سخف أن يعتقد شخص هذا.
ولكن رغم ذلك مازال هناك من يقرأ أعمال المرأة من شعر أو قصة أو أي نص إبداعي، ولا يهتم بالكاتب ويتعامل معه كنص أدبي فقط، رحماكي يا مجتمعاتنا العربية بالمرأة قليلاً فأنا مخلوق من حقه الإبداع والتخيل، وليس بالضرورة أن كل إبداعات المرأة سير ذاتية.
هواجس ودلالات
ولا يوافق د. صلاح فضل الناقد الأدبي ورئيس قسم اللغة العربية بآداب عين شمس على تقسيم الأدب إلى نسائي ورجالي، حيث قال: أنا وكثيرون من النقاد لا نكترث كثيراً لجنس الكاتب أو المبدع، وما يهم الناقد في المقام الأول هو النص الذي يتعامل معه هل هو جيد أم رديء.
وهذا هو الأهم لدينا أما جنس الكاتب فهو شيء ثانوي جداً في عملية النقد والتقييم، ولا أخفي عليك أن هناك سوء نية لدى البعض عند قراءة ما تكتبه المرأة نتيجة هواجس ودلالات معينة تتحكم فيه من واقع كبت وقهر وعادات خاطئة.
حيث يعتبر البعض أن ما تكتبه المرأة هو تعبير عما بداخلها، ولذلك يمكن معرفة تفكير المرأة وهواجسها من خلال ما تكتبه، وهذا تفكير عقيم وخاطئ، وإلا كانت كل كتابات الرجل وإبداعاته تنفيساً عما بداخله، ولكن المرأة إنسان بكل المقاييس من حقه الإبداع والتأمل، ومن حقه علينا أن تقرأ أعماله بعين محايدة وعقلانية.
صحوة نسائية
إلا أن الكاتبة إقبال بركة توافق على مصطلح الأدب النسائي، وتقول إنه لا يوجد فقط في مصر بل في العالم كله، وهذا ناتج عن الصحوة النسائية التي حدثت في الستينات وما صاحبها من يقظة في وعي المرأة بحقوقها المهدرة في معظم دول العالم شرقاً وغرباً.
حيث انفرد الرجل بالإبداع لسنوات طويلة شعراً وأدباً وفكراً، وكانت المرأة متلقية فقط، وليس لها حتى مجرد رأي إلا القليل من النساء، وقد آن الأوان لأن يكون للمرأة صوتها المنفرد، وأن تقدم للعالم إبداعاتها الخاصة التي تعبر بها من خلال رؤيتها ومشاعرها الصادقة وتجربتها الذاتية التي تختلف بالقطع عن تجربة الرجل،.
وهناك محنة ثقافة مؤداها أنه كيف أهملت المرأة كل هذه السنوات بحيث أنها لم تستطع أن تؤدي دوراً يذكر في تصحيح مسار العقل العربي، بحيث تسبق الثقافة السياسية أو تقودها وتصححها إذا أخطأت ولا تكون الثقافة نابعة ومنقادة ومتأثرة بالسياسة.
أديبات الجسد
يرى الروائي إدوار الخراط أن المصطلح الذي يتحدث عن الأدب النسائي والرجالي أصبح مصطلحاً نتيجة تناوله بالألسنة والأقلام بغض النظر عن صحته، ونتيجة لذلك أصبح من المسلمات الشائعة، ولكن الطبيعي هو أن هناك أدباً جيداً وآخر غير جيد، وأنا أتصور أن للمرأة أسلوبها الذي يتميز بحساسية عامة، ولكن ليس من الضروري أن يكون هناك أدب نسائي كما يقول البعض.
وبالتالي فإن الأدب الذي ننتجه لا يمكن فصله عن نتاج الأدب العام لسبب بسيط هو أن الكاتبة الحقيقية لا تسخر إبداعها للوظائف الفسيولوجية والبيولوجية، وبالتالي فإنها فيما عدا ذلك مساوية للكاتب الرجل تماماً، وتتحدث بالطبع عن الهموم ذاتها التي تواجه واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
وأنا لست مع من يتعاملون مع كتابات المرأة وكأنها كائن خرافي قادم من أحد الكواكب البعيدة أو منبعث من أقصى أعماق التاريخ القديم، فالمرأة جزء حميم من هذا الواقع الاجتماعي لا يمكن بأي حال فصلها عنه أو تهميش تأثيرها أو تأثرها به.
وأضاف انه ليس مع من يصنفون الأدب بأنه أدب رجالي أو أدب نسائي، فالمهم عند القارئ والناقد أن يجد فيما يطالعه متعة روحية وإشباعاً فنياً، فمن يطالع »أنا بنت الشاطئ« مثلاً لا يقع على فروق ذات بال بين ما تكتبه وما يكتبه الرجال وهذا ينطبق أيضاً على ما كتبته سهير القلماوي في »الأدب النسائي«.
أما في الشعر والرواية فإن الأمر قد يختلف بعض الشيء لأن الشاعرة أو الروائية تتجلى شخصيتها فيما تكتبه لأنها معرضة لأن تكتب عن مشاعر أنوثتها ما لا يستطيع تسميته إلا إليها فهي أعرف بنوازعها وأكثر إحساساً بمشاعرها من الرجل فتجيء أعمالها مفعمة بروح الأنوثة التي ليس منها فكاك حتى وإن أدارت الخطاب على لسان رجل.
لعل الطاغي حالياً في كتابات النساء هو إبراز قضايا الجسد بأساليب كاشفة دون التستر وراء عبارات رمزية هو من المحاولات النسائية لإظهار قدرة المرأة على التعبير »البيولوجي« عن رغباتها ونزواتها وكذلك شطحاتها. وصفوة القول إن تعبير الأدب النسائي قد ينطبق أكبر انطباقاً على أدبيات الجسد، ولكن المؤكد أنه لا ينطبق على جميع الباحثات الجادات وما أكثرهن.
شيزوفرينيا المثقفين
بعض المثقفين يعيشون تلك الحالة من الشيزوفرينيا بين ما يعتقدونه من حريات للمرأة وما يمارسونه بالفعل »وليس كل المثقفين الرجال على تلك الشاكلة بالفعل«، ولكي تتغير تلك النظرة لابد أن تتغير سياسة المجتمع نفسه، وأن يبذل مفكروه المستنيرون جهداً أكبر في تعديل الكثير من القوانين الاجتماعية والتشريعية التي تحد من حرية الرجل والمرأة معاً.
خدمة ـ وكالة (دار الإعلام العربية)


