هل صحيح أن الرمل يتميز بذاكرة مثقوبة؟ أنه، وكما يقال فيه، منذور للريح، غير قابل للالتحام، إنما للتفتيت، إذ لا أسهل من العبث به، من منطلق هشاشته، وكأنه طفليّ ولادة ونشأة !

تُرى، بأي مقياس اعتباري، جرى تقويم الرمل، قورن بغيره من عناصر طبيعية؟ إن أي مقارنة بين عنصر وآخر، من موقع تفضيلي، إساءةٌ إلى ذات الطبيعة، وتعريضها لخلل متصوَّر خارجاً.

لا شأن للرمل بالتراب، وتحولاتهما، لا شأن له بأي معدن، بأي كائن حي، في ميزان التقديرات الخاصة بالعناصر، حيث كل مقارنة تفضيلية، خروج على الطبيعة، وسوء وعي ذات من قبل الشخص نفسه.

إن معرفة الرمل، وكرملٍ، لا تتم، إلا من خلال الرمل نفسه. الرمل هو الرمل، وهذه المعرفة تضمن التوسعَ في استبيان علاماته الفارقة، ليبقى قريباً منا، أو بعيداً عنا، ما يمكّننا لتلمس كمون الرمل فينا، وكيف يستحيل فعلَ القوة، عندما نتقصى تحولات الرملية كصفة فينا!

يمكن الحديث عن الرمل المذرور، عن طواعيته اللافتة في التناثر، في يُسر التحرك بين حبَّاته، وهذه تعني مدى ظهوره بالمفرد وليس بالجملة الملتحمة، لتكون حبةُ الرمل، مدخلاً لمعرفة الكثير عما يكونه الرمل نفسه في الطبيعة، عما نكونه نحن، إذ نشير إليه، نقيم علاقات متنوعة معه.

لا أسهل مبدئياً من العبث به، من التمرغ فيه، على الشاطئ خصوصاً، إن لحافه المفتت والمبلل أو المشبع بحرارة تثير مشاعر مختلفة، وهو لا يفصلنا عن الثراء المائي الذي نندفع نحوه، وحتى بالنسبة لرمل الصحراء الذي يلفح الوجوه، لا يعرف الهدوء، فثمة ما يحركه باستمرار. ولكن للرمل، ذلك النسيج اللامرئي والهائل التكوين.

حيث يسهل مراقبته وهو يقبل الدخول في منافسة، في تحدّي ما لا يُحَد، إذ يتشرب الماء، حيث تكون حركته في الاتجاهات كافة، ما أكثر تذريره، وما أنشطَه في معاودة الالتحام، ما أمضى قواه، وهو ينفِذ الماءَ في كامل نسيجه بذات السوية أو المقدار، فالرمل كلٌّ واحد، رغم قابليته الهائلة للتفتيت.

ولكن التذرير هذا، إحدى علامات قوته الكبرى، إن الرمل لا يضمن السلامة لأحد، ليس فيه، ما يُطمئِن المرء على أنه باق كما يُتأمَّل منه، وقد صمّم أكثر من شكل، إنه مطواع، لديه قابلية للدخول في منطق أي قوة مفترضة: يتخلله الماء، ويفترشه، مثلما أن الهواء يحلّق به، أو يلون به فضاءه، مثلما الصحراء تنفتح له.

وهي تعرَف به كثيراً، مثلما النار تعرف ذوقَه في اشتهاء الحرارة والتحول من حالة لأخرى، مثلما المدينة تعرفه جيداً، إذ يصعد بنا عالياً، كما هو المرء في المعمَّر على مد النظر...

لا قيمة هنا، لقول متداوَل في قالب حكمة: بيت على رمل! ثمة إقحام للرمل في موضوع لا صلة له به، إذ البيت نفسه، قد يتدعم بالرمل وقد أخضِع لتحويلات عملية وهندسية.

لذا يمكن لأي منا، أن يستلهم من الرمل صفاء ذاكرته، حيث ينفذ عبره الماء، وتنفسه الكامل، فهو كلّي المسامات، لا وجه له، إنما كل الوجوه الممكن تخيلها، واردة في معرض الحديث عن الرمل. إن الاستلقاء في الرمل، استعادة لاشعورية للذة متخيلة، لنقاء سريرة مفقودة، لتماسك أجدى بالتقدير الضمني، لدغدغة مشاعر تطهّر أعماقنا أحياناً، وربما لمقابلة عرينا الذي نتشوق إليه، بعيداً جداً، عن أقنعتنا الجسدية الكثيرة، حيث عريُ الرمل، يعرضنا لمكاشفة حالمة.

وربما لولادة من نوع آخر، ووحدهم مُسَلّمو أجسادهم لرمل الشطآن البحرية، قادرون على وصف حالتهم النفسية، ما يكونونه قبل الاستسلام الطوعي وبعده، مثلما عابرو الصحراء بدورهم، يكونون أقدر من غيرهم في وصف ما يعنيه الرمل بالنسبة لهم وفي حالات شتى، وبدورها، فإن الكتابة على الرمل، أو فيه، لا تحفظ حقوقاً لأحد، ولكنها تُبصِر الكاتبَ الرملي بحقيقة لطالما جهلها خارج الفسحة الرملية، وهي: ما يحصل سهلاً، يزول سهلاً. هل بات الحديث عن الحكمة الرملية إذاً من قَبيل العبث؟

إبراهيم محمود