«يكمن السر في تحويل الكلمات إلى نبوءة. فالكاتب هو الصوت الثائر لشعبه. ومن هو، إن لم تدفعه معاناته لفهم آلام وعذابات الآخرين، والتعبير عنها بصورة فنية تساعد في تكوين رؤية جديدة لظرف أو وضع ما؟» قال مولك راج أناند، الروائي الهندي وكاتب القصة القصيرة والسيرة الذاتية، الذي اعتبر تشارلز ديكنز، وبلزاك وزولا الهند، والذي يعد من الرواد المؤسسين للرواية الهندية الحديثة التي كتبت باللغة الانجليزية إلى جانب كل من راجا راو وآر كي نارايان.

كتب أناند الذي ولد في بيشاور عام 1905 في الهند، وتلقى دراسته في المرحلة التي ركز التعليم فيها على اتقان اللغة الانجليزية، نصه الأدبي الأول كرد فعل على انتحار قريبته التي قاطعتها العائلة لكونها تناولت العشاء مع امرأة مسلمة. ثم بدأ بكتابة بعض القصائد خلال مرحلته الجامعية بعد حبه الخائب لفتاة مسلمة تزوجت من غيره. وبعد تخرجه من جامعة بنجاب بمرتبة الشرف عام 1924، سافر إلى بريطانيا ودرس في جامعة لندن في كامبردج ونال الدكتوراه عام 1929. بعد ذلك درّس في سويسرا وحاضر في العديد من الجامعات. وقسم وقته ما بين عام 1930 و1940 بين أدب لندن وقضية غاندي. كما تطوع مع الجمهوريين في حرب اسبانيا الأهلية.

وساعده صديقه الروائي جورج أوريل خلال الحرب العالمية الثانية في العمل كمراسل ومحرر لإذاعة الـ بي بي سي في لندن.ليعود بعد الحرب إلى الهند ويستقر فيها نهائياً، وجعل من مومبي مركزاً لأنشطته. أسس في البداية مجلة الفن «مارغ» عام 1946 ثم درّس في الجامعات الهندية، ونال في عام 1960 لقب بروفيسور طاغور في الأدب وتاريخ الفن في جامعة بنجاب. ثم عين عام 1965 كرئيس مجلس إدارة لأكاديمة الفنون الوطنية.وفيما يخص الأدب، أجاد أناند لغتي والديه البنجابية والهندوستانية إلا أنه فضل الكتابة بالانجليزية، لقبول دور النشر أعماله بصرف النظر عن مواضيعها.

وفي لندن بدأ بالكتابة من خلال نشر عروض للكتب في مجلة تي إس إليوت «كريتيريون»، كما ركز في بداية الثلاثينات على كتب تاريخ الفن.ولم يعرف كروائي إلا بعد نشره لروايتيه «المنبوذون» عام 1935 و«الحمال» عام 1936. ويتحدث في العمل الأول عن الطبقة المحتقرة في المجتمع الهندي وفي الثانية عن الطبقة العاملة والفقر المدقع الذي تعيشه، أما في روايته (ورقتان وبرعم) عام 1937 فتناول واقع الريف. ثم حقق شهرته الواسعة بعد نشره لثلاثيته «القرية» عام 1939، و«عبر المياه السوداء» عام 1940 و«السيف والمنجل» عام 1942 وكانت احتجاجاً على الظلم الاجتماعي.

ومن أعماله اللاحقة التي انتقل فيها إلي الجانب النفسي، روايته «الحياة الخاصة لأمير هندي» ونشرت عام 1953، ويتناول فيها الحب والخيانة. وابتداء من عام 1950 بدأ بكتابة سيرته الذاتية لتنشر في سبع مجلدات آخرها بعنوان «الفقاعة» ونشرت عام 1984. كما نشر في الهند كتبا عن فلاسفة وأدباء ومفكرين مثل طاغور وماركس وأنجلز، ووافته المنية في بون في 28 سبتمبر عام 2004.

يكشف أناند من خلال روايته «المنبوذون» عن واقع أدنى طبقة في المجتمع الهندي، الطبقة المحكومة بالشقاء والنبذ والاحتقار منذ الولادة وحتى الممات وعلى مدى أجيال. ويتجلى ذلك الكشف من خلال يوم واحد في حياة بطل الرواية الشاب باختا البالغ من العمر ثمانية عشر عاما، الشاب الذي تختزل أحداث يوم واحد من حياته، عالم تلك الفئة بماضيها وحاضرها الذي لا مستقبل له أسوة بالعديد من المجتمعات الأخرى، المستقبل المرهون بإماطة اللثام عن التقرحات لجسد المجتمع الراكد.

تبدأ أحداث الرواية مع ذهاب باختا في الصباح إلى المعبد. وهناك يتحرش كبير الكهنة بأخته سوهيني على الرغم من انتمائها لفئة المنبوذين. يبرز أناند، تلك الشخصية العابرة بهدف إظهار تلوث آخر وهو تلوث الروح. ويثار الهرج والمرج بعد خروج باختا حينما لامس من دون قصد رجلا ثريا (صاحب) ليصفعه الأخير ويعرب مباشرة عن اشمئزازه من القذارة التي لحقت به وضرورة إلغاء موعده للاستحمام، ولا تتاح الفرصة لباختا للتنفيس عن غضبه بعد اختفاء الثري عن الأنظار.

هذا الاختلاف أشعره بتميزه عن فئته وإن أثار استهزاء وسخرية أصدقائه، وبذا وجد نفسه غريباً في بيئته وخارجها.وكان للحوارات التي دارت بينه وبين أحد الضباط المبشرين بالمسيحية، دور في تفتح فكره وإن لم تساهم إلا في زيادة حيرته وإرباكه، سيما وأن الكولونيل هوتشينسون كان محاور غير متمكن.

كما لم يجد لدى المحامي بشير الذي تعلم في المدارس البريطانية وتبنى فكرها وزيها، ونادى بالتطور والحداثة، ما يساعده على بلورة فكره أو وعيه فقد بدا له المحامي شخصية بلا هوية. وعلى الرغم من ميله لأفكار الشاعر الشاب إقبال المتحمس لأفكار غاندي الذي كان يدعو تلك الفئة إلى الاهتمام بنفسها ونبذ الكحول والقمار والاعتناء بنظافتها وحياتها، إلا أنه لم يجد فيها ما يخرجه من واقعه المحكوم بـ «كرما» الاستنساخ حيث تولد الروح في أدنى فئة للمجتمع كعقوبة لها على سوء سلوكها في حياتها الماضية.

وهكذا تتحول أحلام باختا من ارتياد المدرسة وتعلمه لمهنة تخرجه من واقعه الحالي، إلى حلم واحد يتمثل فيه خلاصه، ألا وهو الحمام الآلي التنظيف، مضخة المياه التي تنظف القذارة بنفسها، وعلى الرغم أن هذا الاختراع سيفقده وفئته مصدر رزقهم إلا أنه الحل الوحيد في نظره للخلاص من واقعهم البائس.

رشا المالح

الكتاب: المنبوذون

تأليف: مولك راج أناند

الناشر: بنغوين 2003

الصفحات: 160صفحة

القطع: المتوسط

Untouchable

Mulk Raj Anand

Penguin - USA 2003

P 160