تبدو ساعات اليوم أقل مما كانت عليه، وكذلك أيام الأسبوع والشهر والسنة تقلصت في عصر السرعة لتصبح أقل إمكانية لتلبية حاجات الإنسان، ولطالما تندر الناس على مرور الزمن سريعا من بين أصابعهم وهم يتحسرون «كأنها البرهة» في وصفهم انقضاء السنة، أو في خطابهم الذاتي أمام المرآة وهم يلمحون الشعيرات البيضاء في مفارقهم، أو يلمسون تجاعيد الكبر على خدودهم.
في عصر السرعة كان الناس يعتقدون أن انشغالاتهم تصرفهم عما هو أكثر أهمية فتراهم يركبون الطرقات السريعة، ويتناقلون الأخبار كالبرق، ويفضلون محركات البحث السريعة للوصول إلى حزمة أخبار كبيرة ومتنوعة، وقد ساهم الكمبيوتر في اختصار الوقت، لكنه لم يساهم في توقف الزمن، لأن عطش اللهاث وراء الشاشة حوّل البشر إلى كسالى يشكون قلة الوقت، بينما كان الوقت يمر بطيئا أمامهم دون ان يستثمره.
عندما مرت هذه السنة بسرعة هائلة هل توقف أحدنا لتفحص أحداث حياته فيها، ماذا أنجز، وماذا كان يجب أن يفعله، فأهمله أو أجّله، وكم أضاف إلى معرفته قراءة وتفكيرا، ولعله السؤال الأعمق في حياتنا: ترى هل عرفنا ما فيه الكفاية فتوقفنا، أو لم يعد لدينا الوقت الكافي للمعرفة فانشغلنا بما يتعداها إلى ما هو أقل شأنا مضيعين سنة أخرى من أعمارنا ذهبت هكذا في غفلة منا. وهل تقاس سنوات المرء بما يعرف أم بما أنجز ؟!
لطالما ارتبطت الانجازات بالمعرفة وكبرت الأجيال عليها، ولطالما أفنى أشخاص أعمارهم في كسب المعرفة واعتبروها مدخلا لعيش سعيد، فتراهم يرسلون معرفتهم للأجيال الجديدة وقد زادوا عليها ما اكتشفوه وخبروه في ميادين العلم والتحصيل، ثم أعطوها لمن تلاهم، والسعادة تغمرهم ليس لأنهم عرفوا كثيرا في حياتهم بل لأنهم يشاركون الآخرين في معنى المعرفة ويكشفون لهم عن سر سعادتهم.
ما فعلته السرعة في عصرنا أكثر مما فعلته في عصور سابقة، حيث كانت محورا لحياتنا وطريقة عيش مستعجلة، أدت على صعيد ما إلى استبدال المعرفة بالمعلومة، وكان للكمبيوتر الدور الأكبر في ذلك فهو ان اختصر الوقت ووفر لنا الزمن فقد وضع بين أيدينا مسؤولية عظيمة لم نستثمرها على الوجه الأفضل فاكتفينا من عصر السرعة بقشورها ولم نطل اللب، فذهبت سنة أخرى من أعمارنا أدراج الريح.
