يعاني الإبداع بأجناسه المختلفة من انحسار العلاقة بين المبدع والمتلقي، وإذا ما حاولنا رصد ذلك، والمقارنة بين ما كانت عليه العلاقة وما وصلت إليه من جفاء، ندرك الإشكالية التي يعاني من المسرح، والندوات الأدبية، والملتقيات الشعرية، وكل تظاهرة ثقافية جادة، سواء كانت موسيقية أو تمثيلية، أو أدبية أو غيرها، بل أن سمة العصر رسخت هذا التجافي بين طرفي المعادلة (المبدع والمتلقي).
وإزاء ذلك جاءت محاولات عديدة لخلق وسيط، أو ما أسميه مجازاً، محسنات خارج الإطار، خاصة فيما يتعلق بالشعر الذي أريد أن أركز على إشكالية انحسار جمهور أماسيه التي أصبحت غير ما كانت عليه، أيام الأعلام الكبار، أمثال محمد مهدي الجواهري، نزار قباني، محمود درويش، عبد الله البردوني، وغيرهم كثيرون حيث كان يحضر لهم آلاف من المستمعين ومتذوقي القصيدة، بل والذين علي خلاف معهم، لما كان هؤلاء الأعلام يمثلونه.
إن منظمي الأماسي الشعرية اليوم يحاولون توصيل الشعر إلى المتلقي عبر وسطاء، أو عبر محسنات تغري المشاهد للحضور، مثل تجربة أدونيس مع نصير شمة، والمطربتان ريهام ومي، من دار الأوبرا المصرية وقد حققت هذه الأمسية نجاحاً كبيراً عند عرضها في دبي، أو ما عرف بمسرحة القصيدة التي برع بها بعض المسرحيين الذين يملكون حضوراً مسرحياً وقامة كبيرة على الخشبة أمثال الفنان عزيز خيون حينما مسرح قصائد الجواهري والسياب، والإعلامية بروين حبيب مع نزار قباني، ونضال الأشقر، وقد شاهدت لها قبل أيام عرضاً مثيراً على مسرح الحمرا في دمشق ضمن فعالياتها كعاصمة عربية لعام 2008.
لقد نجحت نضال الأشقر في استقطاب آلاف المشاهدين للاستماع إلى خياراتها الشعرية، وقد تفاعلوا مع أدائها ومجموعتها حد التأثر العاطفي والبكاء. نضال الأشقر استعانت بالعود والبزق والرق، وبالفنانة زاهدة وهبي، مؤدية للشعر ومغنية له، والفريق بمجموعه يساهم في هذه الوساطة الفنية إن صح تعبيري للوصول إلى إذن المتلقي ليتمتع بشعر جميل مختار لعدد من الشعراء.
اعتقد أن نسبة ضئيلة لو دعيت لسماع هذه القصائد مجردة من كل هذه المحسنات الموسيقية والهارمونية والإيقاعية، أستطيع أن أجزم أن أحداً لن يأتي لسماع غريب على الخليج، أو شناشيل ابنة الجلبي، أو أنشودة المطر لبدر شاكر السياب، بل أن معظمهم لم يسمعوا أو يقرأوا هذه القصائد الخالدة للسياب، إلا أن نضال الأشقر قدمت السياب وغيره من الشعراء في توليفة شعرية، ممسرحة، ومغناة، بصحبة أصوات جميلة، وأداء هارموني مع آلات عربية عريقة، كانت ليلة لا تنسى، مع نضال الأشقر، وزاهدة وهبي والمجموعة، أعادتنا إلى ربوع الشعر، وأشعرتنا كم نحن قد فقدنا عناصر الإبداع في أجناس أدبية أهملناها تحت مبررات لا منطقية.
