يستهل ه. دبليو براندس كتابه الجديد «خائن لطبقته، حياة ورئاسة فرانكلين روزفلت» بالحديث مؤكدا أنه لم يكن «مأخوذا» بشكل استثنائي بسيرة حياة روزفلت.
لكن هذا لا يمنعه من القول إن الأشياء التي فعلها وأنجزها في سنوات الثلاثينات المنصرمة وبعد فترة «الكساد الكبير» الذي هزّ الولايات المتحدة من أعماقها إنما هي أشياء «متداخلة تماما مع نسيج الحياة الأميركية نفسها». تتمثل إحدى السمات الأساسية التي يؤكد عليها ه. دبليو براندس في شخصية فرانكلين روزفلت هو أنه «قرأ التاريخ» جيدا وفهم أن جميع الرؤساء العظام في التاريخ قد وصلوا إلى المكانة السامية التي عرفوها كون أنهم قد كانوا رؤساء في فترات مأزومة وعرفوا كيف يرفعون التحدي.
هكذا مثلا كانت الحرب الأهلية تمزق أميركا وقد شكّلت أحد أكبر الكوارث في تاريخها كله واغتيل أثناءها ما يزيد على ستمئة ألف أميركي باسم الاتحاد والفيدرالية. ويؤكد المؤلف أن الكثير من الأميركيين «الجمهوريين» حافظوا لفترة طويلة على موقف «غير متحمس» حيال فرانكلين روزفلت الديمقراطي. بل وشكك الكثير منهم بالبرنامج الجديد الذي طرحه واعتبروه «مساويا».
ولكن الوضع تغير بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. وأصبح روزفلت يمثل رمزا آخر بالنسبة للأميركيين. إنه لم يعد الرئيس الديمقراطي ولكنه أصبح الرئيس «الأميركي»، خاصة عبر السياسة التي انتهجها حيال الحرب في أوروبا وفي المحيط الهادئ الباسفيكي ـ وأيضا عبر قراره بانخراط بلاده في الحرب ك«زعيمه للعالم الحر». باختصار اكتسب روزفلت عندها مكانة «القائد» واكتسب احترام الأميركيين كلهم. الأمر الذي كان قد عجز عنه بالاعتماد على السياسات الداخلية وحدها.
ويغمز المؤلف بسرعة إلى موقف والده الذي كان «جمهوريا» وبالتالي لا يؤيد روزفلت ولكنه انقلب بعد الحرب العالمية الثانية إلى مؤيد «متحمس» له. ويؤكد ه. دبليو براندس أن اهتمامه بسيرة حياة فرانكلين روزفلت وبفترة رئاسته يعود إلى إدراكه العميق أن هذا يعني الاهتمام بالتاريخ الأميركي ومساهمة في فهمه. بل ويمكن من خلال ذلك فهم الأسباب التي تجعل صورة أميركا في العالم اليوم هي ما عليه اليوم، وليس في العالم فقط، وإنما في أميركا نفسها.
إن ه. دبليو براندس يؤكد على أن روزفلت كان في جزء هام من سنوات الأربعينيات من القرن الماضي هو «الرجل الأقوى في تاريخ العالم. وكان يملك مصير الإنسانية بيده». هذا ما يؤكده المؤلف ويشرحه في هذا الكتاب على أساس أن أميركا كانت في مطلع الأربعينيات هي الأكثر قوة في العالم أيضا. وقد خرجت من الحرب العالمية الثانية أقوى من الوقت الذي دخلتها. الآخرون جميعهم، بما في ذلك الحلفاء المنتصرون، كانوا من الخاسرين. فالدول الأوروبية الغربية «المنتصرة» خرجت بنفس الوقت مدمّرة ومهمّشة.
وكانت بحاجة إلى مشروع مارشال للنهوض من جديد. والاتحاد السوفييتي خسر عشرات الملايين من مواطنيه. وكانت خسائره أكبر من ألمانيا النازية نفسها. أميركا كانت إذن الرابح الوحيد، وصورة روزفلت كانت في خلفية الصورة. لقد كان قائد الجيوش وهو الذي قاد الدبلوماسية الأميركية أثناء الحرب المبررة على عكس الحرب الأميركية الأخيرة في العراق، كما يقول المؤلف.
ثلاثة رؤساء
يشير ه. دبليو براندس إلى أن المؤرخين والأخصائيين بالعلوم السياسية قد حرصوا دائما على ذكر استطلاعات رأي جرى طرحه في وقت أو آخر على الأميركيين لمعرفة من هم الرؤساء الأكثر أهمية بنظرهم بين رؤساء الولايات المتحدة منذ قيامها؟ وتبيّن الإجابات كلها تقريبا على أن مثل هذا الموقع «الأكثر أهمية» بين الرؤساء يُعطى لثلاثة رؤساء هم «جورج واشنطن، وابراهام لنكولن، وفرانكلين روزفلت».
ويشرح المؤلف أن الأسباب العميقة الكامنة وراء هذا الخيار لا تعود إلى كون أنهم الأكثر كلمة وتعقلا ولا تعود أيضاً إلى اعتبار أنهم الأفضل بين رجال السياسة بعصرهم. ولكن الأمر يعود بالأحرى إلى كون أنهم قد «خلّصوا البلاد من براثن الأزمات التي كانت تعصف بها».
المؤلف في سطور
ه. دبليو براندس، أستاذ للتاريخ في جامعة تكساس، وهو مؤرخ أميركي. سبق له وقدّم أكثر من 20 كتابا من بينها: «رجال المال: الرأسمالية والديمقراطية وحرب المئة عام على الدولار» و«العصر الذهبي: حمّى الذهب في كاليفورنيا والحلم الأميركي الجديد» و«الأميركي الأول: حياة وزمن بنيامين فرانكلين» و«منذ فييتنام: الولايات المتحدة وشؤون العالم»، الخ.
الكتاب: خائن لطبقته، حياة ورئاسة فرانكلين روزفلت
تأليف : ه. دبليو براندس
الناشر: دوبلداي - نيويورك 2008
الصفحات: 896 صفحة
القطع: المتوسط
Traitor to his class:
the privileged life and radical presidency of
Franklin Roosevelt
H. W. Brands
Doubleday ? N.Y.2008
P.896
