كتاب «نعم لتركيا» لمؤلفه ميشال روكار كتاب واضح لا لبس ولا غموض فيه من حيث المضمون، وإن كان المؤلف، يترك بعض ظلال الشك تحوم في النهاية حول «حماسه» لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك عبر قوله إن «مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هي فرصة لطرح الأسئلة حول الهوية الحقيقية لأوروبا».
يبدأ ميشال روكار تحليلاته باستعراض المسار السياسي الذي عرفته تركيا من الإمبراطورية العثمانية حتى تبنّيها النظام الجمهوري العلماني على يد مصطفى كمال أتاتورك. ويؤكد كثيرا في تحليلاته على فكرة محددة مفادها أنه لا ينبغي النظر إلى تركيا بعين الازدراء من قبل بلدان أوروبا، خاصة أنها حققت مستوى متقدما من الازدهار الاقتصادي وبناء المؤسسات «الجمهورية»، هذا فضلا عن أنها ذات تاريخ «عريق» لا يستدعي «الخجل» منه ولديها ثقافتها ومثقفوها وأدباؤها.
ويقدم روكار صورة إيجابية و«مستقبلية» لتركيا تمتلك العديد من الأوراق الرابحة التي ليس أقلّها شأنا واقع أنها أحد أكبر البلدان «الأوروبية» من حيث عدد السكان بالإضافة إلى مساحتها الواسعة وموقعها الاستراتيجي كنقطة «وصل وتواصل» بين الغرب والشرق، وبين أوروبا وآسيا، مع واقع أنها استدارت قبل قرون عديدة باتجاه القارة الأوروبية «القديمة».
ويركّز المؤلف على عدة مؤشرات من بينها واقع أن تركيا قد حققت خلال السنوات الأخيرة معدل نمو اقتصادي سنويا يقارب ال7 بالمئة ومعدل نمو ديموغرافيا جعل عدد سكانها يزيد على ال70 مليون نسمة، أي ما يعادل ألمانيا وإنما يزيد على فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وتجمع التوقعات على أنها سوف تصبح في سياق الانحسار الديموغرافي الذي تعرفه أوروبا «القوة السكانية الأولى» في الاتحاد الأوروبي «إذا جرى انضمامها إليه في نهاية المفاوضات الجارية».
ويرى رئيس وزراء فرنسا الأسبق أنه لا يمكن لأوروبا أن تبقى بمثابة «ناد للدول المسيحية». ولكن ينبغي على الاتحاد الأوروبي إثبات قدرته على أن «يستوعب دولة مسلمة» مثل تركيا. وإذا كان المؤلف يؤكد بنفس الوقت أنه «يمكن لأوروبا أن تعيش معها». ذلك أنه فضلا عن المصلحة الاقتصادية التي يمكن لهذه العملية أن تؤمّنها، فإنه يمكن لتركيا أن تلعب، برأيه، دورا مفصليا في السلام والاستقرار بمنطقة استراتيجية مثل الشرق الأوسط، وذلك في «فترة يعيش فيها المسيحيون والمسلمون أشكالاً خطيرة من سوء الفهم، أشكالا خطيرة ومهددة بنفس الوقت».
ويقدّم المؤلف في هذا السياق قراءة لعدد من الحروب التي سبق اندلاعها «بروز بعض الوقائع» التي ساهمت في توليدها. ويؤكد ميشال روكار أن هناك «ميلاً تاريخياً» لدى تركيا بالانضمام إلى أوروبا، وحتى أن النخب التركية في ظل حكم آخر السلاطين العثمانيين كانت ذات نزعة أوروبية. لكن تبقى «الكمالية»، برأيه، هي التي زرعت اللبنة الأساسية في التوجه الأوروبي لتركيا. ذلك أن الإصلاحات التي قام بها كانت مستوحاة من أوروبا باعتبارها «مهد الحداثة».
بهذا المعنى «يغدو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بنظر الأتراك بمثابة استمرار طبيعي لتلك الفكرة الكمالية ولتاريخهم» إن روكار يكرّس العديد من صفحات كتابه لشرح الأسباب التي تجعل نسبة كبيرة من الأوروبيين يرفضون انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويرى أن السبب الأول يكمن في اعتقاد الأوروبيين أن انضمام تركيا لأوروبا في إطار العولمة إنما يعني فقدان فرص العمل ونقل العديد من الشركات لنشاطاتها إلى تركيا.
في المحصلة يرى المؤلف أنه من الحيوي أن تقول أوروبا «نعم» لانضمام تركيا إليها. وهذا هو السبيل الذي كان الاتحاد الأوروبي قد شرع به منذ فترة طويلة وأكّد ذلك قبل عامين، وأصبح من الملحّ بلوغ ذلك.
بعيداً عن العقلانية
يشير ميشال روكار إلى أن ما يثير التساؤلات حيال النقاش الدائر في أوروبا حول تركيا، هو أن الأوروبيين عامة، والفرنسيين خاصة، يبتعدون عن «العقلانية» في هذا النقاش. هكذا مثلا بقي النقاش منذ نهاية حرب الجزائر واستقلالها عام 1962 في حدود «اللياقة» ومستلزمات النقاش العقلاني، بينما يجعل الخوف والقلق من المستقبل والنقاش حول تركيا «بعيداً عن العقلانية» كثيراً.
المؤلف في سطور
شغل ميشال روكار عدة مناصب وزارية في عدد من حكومات اليسار في فرنسا، وتولّى رئاسة إحداها في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، كان لعدة سنوات رئيسا للحزب الاشتراكي الفرنسي الموحّد قبل أن ينضمّ إلى الحزب الاشتراكي.من كتبه «أوروبا التي ننتمي إليها» و«لو كان اليسار يعرف» و«هل يمكن إصلاح فرنسا»؟ الخ.
الكتاب: نعم لتركيا
تأليف: ميشال روكار
الناشر: هاشيت - باريس 2008
الصفحات: 220صفحة
القطع: المتوسط
Oui à la Turquie
Michel Rocard
Hachette - Paris 2008
P.220
