تؤكد أستنتاجات كتاب « الكساد الكبير والنهج الجديد ـ تاريخ مختصر » لمؤلفه اريك روشواي أن موضع الخلل الأكبر كان في «افتقاد التوازن» خاصة فيما يتعلق بإعادة توزيع الثروات والموارد. وتدل الإحصائيات المقدّمة على أن 36 من العائلات الأميركية الغنية كانت تحصل على مداخيل تعادل نسبة 42 بالمائة من مجموع الأميركيين.

هذا في الوقت الذي كان فيه حوالي 5. 27 مليون مواطن أميركي لا يملكون أية وفورات مالية.وكان الوضع المالي هو الأكثر هشاشة إذ إن البنوك وجدت نفسها فجأة غير قادرة على الاستجابة للطلب المتعاظم على سحب الودائع المالية والوفورات منها. هكذا عرفت عدة مصارف وبنوك حالة كان لا بد لها أمامها سوى أن تعلن إفلاسها. بنفس الوقت واجهت البنوك عمليات «مضاربة كثيرة» كذلك عرف القطاع الزراعي، كنتيجة مباشرة للأزمة المالية وللكساد الاقتصادي، صعوبات كبيرة جعلت ما يزيد على 15 مليون مزارع أميركي على حافة الإفلاس.

كان رئيس الولايات المتحدة عند اندلاع الأزمة هو «هربرت هوفر». وكان الرد الذي تبنّاه وطلب من إدارته انتهاجه هو اللجوء إلى سلسلة من إجراءات الحماية الاقتصادية وذلك للحد من امتداد الأزمة. لكن النتيجة لم تكن في الواقع كبحها ولكن امتداد أكثر لحالة الانحسار الاقتصادي في مختلف الميادين والقطاعات. كذلك كانت الإجراءات التي أوحى بها «هوفر» بغية تشجيع أوساط الأعمال والمال بمثابة فشل كبير، هي الأخرى. وغرقت البلاد أكثر في الأزمة وتعاظمت سلسلة المؤسسات التي تعلن إفلاسها.

وفي عام 1932 كان موعد الانتخابات الرئاسية الأولى التي تبعت «الكساد الكبير». كان المرشحان هما «هربرت هوفر» الجمهوري الذي أراد أن يفوز بولاية رئاسية ثانية وخصمه فرانكلين روزفلت الديمقراطي الذي كان قد نال شعبية كبيرة في الولايات المتحدة حيث كان رئيسا لبلدية مدينة نيويورك. وقد فاز هذا المرشح الديمقراطي بنسبة كبيرة من أصوات الناخبين الشعبيين و89 بالمائة من أصوات كبار الناخبين. والمقصود بهؤلاء الذين يمثلون الشعب في أحد المجالس المنتخبة على مختلف مستوياتها.

ويؤكد اريك روشواي أن السياسات التي طبقها فرانكلين دولانو روزفلت في العديد من الميادين خلال سنوات الثلاثينات المنصرمة كانت بمثابة الإعلان عن تعاظم دور الدولة في المسائل الاقتصادية. بل ويؤكد أن سياسة الإصلاح التي انتهجها غيّرت في واقع الأمر موازين القوى السياسية داخل المجتمع الأميركي، وكان لها آثارها المستقبلية التي تظهر بعض بقاياها في السنوات الأخيرة.

كذلك تبنّى «البرنامج الجديد» سياسة «إعادة التوازن الجغرافي»، الأمر الذي تمت ترجمته على أرض الواقع بزيادة الأموال العامّة المكرّسة لمسائل التنمية في ولايات جنوب أميركا وغيرها والتي كانت قد عانت من الإهمال، بدرجة ما، خلال الفترات السابقة. هكذا جرى تزويد مؤسسات المناطق الريفية في جنوب الولايات المتحدة الأميركية بالكهرباء ب«نصف الثمن»، وعلى الأقل بالنسبة للمؤسسات التي تتوجه باهتمامها إلى تلك المناطق «الفقيرة» في الجنوب. كتاب عن فترة من تاريخ الولايات المتحدة تشابه إلى حد كبير ما تعرفه هذه القوى العظمى اليوم.

برنامج وتحقق

كان روزفلت قد طرح أمام الناخبين برنامجا طموحا وعدهم على أساسه بالخروج من «الكساد الكبير» ومن مخلفاته. هكذا بدأ بعد 4 أشهر من انتخابه رئيسا جديدا للولايات المتحدة ما عُرف ب«البرنامج الجديد». وكانت المرة الأولى الذي تلفّظ فيها فرانكلين روزفلت بتعبير «البرنامج الجديد» هي أثناء انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي في شيكاغو خلال شهر يوليو 1932. ويشير اريك روشواي إلى أن هذا الإعلان جاء بعد ثلاثة عقود تقريبا من إعلان الرئيس «روزفلت الآخر»، أي «تيودور روزفلت» ما سمي آنذاك ب«البرنامج الوطني».

الإفلاس و زيادة الإنتاج

لم يكن حال القطاع الصناعي أفضل بكثير عندما وقعت أزمة الكساد في أميركا حيث كانت أعراضها قد ظهرت في إعلان العديد من الشركات بهذا القطاع عن إفلاسها. هذا إلى حالة الكساد التي نجمت عن زيادة الإنتاج وإنما تقلّص قدرة الأسواق.

المؤلف في سطور

يعمل اريك روشواي أستاذا لمادة التاريخ في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، وهو أستاذ محاضر في جامعة اكسفورد، وفي جامعة نيفادا.له عدّة دراسات من بينها: «مباركة بين الأمم :كيف صنع العالم أميركا» و«أميركا تيودور روزفلت» و«ملجأ المشاعر: الأسرة والسياسة الأميركية في فترة الإصلاح» الصادر عن جامعة كولومبيا.

الكتاب: الكساد الكبير والنهج الجديد ـ تاريخ مختصر

تأليف: اريك روشواي

الناشر: جامعة اكسفورد 2008

الصفحات : 160صفحة

القطع: المتوسط

The great depression and the new deal : a short story

Eric Rauchway

Oxford University Press- 2008

P.160