«مستقبل المياه» هو «الموجز الجديد للعولمة» الذي يقدمه المؤلف اريك اورسينا، بعد «موجزه» الأول الذي مثّله كتابه السابق «رحلة إلى بلاد القطن». وكما كان الأمر بالنسبة للموجز السابق قام المؤلف بجولات ميدانية في مختلف أنحاء العالم استمرت لمدة عامين كاملين. غايته كما يحددها كانت هي تقديم نوع من التوصيف العياني عملية جرد- لحالة المياه في عالم اليوم وكيفية إدارتها؟ وهل مستقبل الإنسانية مؤمّن من المياه؟ وهل يمكن أن تكون هذه المادة الحيوية سببا في اندلاع الحروب في القرن الحادي والعشرين كما تقول نظريات عديدة؟

إن اريك اورسينا يتعرض في فصول كتابه عن المياه من خلال منظورات مختلفة: من منظور «الجفاف في استراليا» ومن حيث هي «مصدر كل الشرور في بنغلاديش» أو «الأوبئة والموت في كالكوتا». ويتم أيضا بحث مسألة المياه من منظور «تحلية مياه البحار» و«استغلال الأنهار». كما يتم طرح «أسئلة حول إفريقيا» و«الموت جوعا أو الهلاك من العطش»؟ لكن ما هي المياه؟ يطرح اريك اورسينا هذا السؤال كي يشير مباشرة أن الإجابة أكثر تعقيدا مما يبدو للوهلة الأولى. فهي بنفس الوقت نعمة ونقمة وأداة بناء وتخريب. وهي تجمع من حيث الاهتمام بها «الأديان والعلوم» فالكل يلتقون على القول أن المياه هي «أصل كل شيء».

لقد جاب المؤلف أصقاعا مختلفة في أستراليا وآسيا والشرق الأوسط وإفريقيا قبل العودة إلى فرنسا. والنتائج التي يتوصل إليها تثير القلق خاصة عندما تتم ترجمتها إلى أرقام. هكذا نفهم أن 6,2 مليار نسمة من سكان العالم يعيشون دون منظومات لتصريف المياه المستعملة وأن 000 25 شخص يموتون في العالم كل يوم بسبب نقص المياه ونصف هؤلاء هم من الأطفال. لكن اريك اورسينا لا يركّز كثيرا على تقديم الأرقام والنظريات وإنما يريد لحديثه عن المياه أن «يقترب من الواقع». ذلك في منظور جعل الجميع، بما في ذلك في أوروبا حيث هناك عامة وفرة في المياه، يدركون مدى أهمية وتعقيد المشاكل المتمحورة حول مستقبل المياه في العالم.

وإلى جانب الحاجة الحيوية للمياه يشرح المؤلف بإسهاب الجانب الآخر، الجانب السلبي المرافق للمياه. هناك أولا الأمراض التي تشكل المياه مصدرها أو الناقل لجراثيمها. إن الكوليرا تقتل الآلاف كل سنة في كالكوتا بالهند، هذا مع التأكيد على سهولة إيجاد حلول ناجعة لتجنب ذلك. والمياه هي أيضا مصدر أشكال من عدم المساواة «الصارخة» على المستويات الجغرافية والمناخية. هنا تبدو الأهمية الاستثنائية للتواجد في بلدان ذات مناخ معتدل وتنوع جغرافي بحيث أن مسألة ترشيد الثروة المائية أو المحافظة عليها ليست مطروحة فعليا على بساط البحث. لكن يضاف إلى اللامساواة «الطبيعية» لا مساواة أخرى و«تباينات» مجحفة.

المثال الذي يقدمه المؤلف عليها هو كون أن الفرد من سكان لاس فيغاس بالولايات المتحدة الأميركية يستهلك 1000 لتر من المياه يوميا بينما يحاول السكان في تخوم همارى ناميبيا الحصول على الحد الأدنى من المياه حيث لا يسقط سنويا سوى معدل 20 ملمتر. بكل الحالات يمكن لعلاقة الإنسان مع الماء أن تلخص برأي اريك اورسينا علاقة وفاء وتناحر بنفس الوقت. وينقل في أحد مقاطع الكتاب ما يلي:

في المحصلة تمكن قراءة هذا «الملخص الصغير للعولمة» عن «مستقبل المياه» بصفحاته ال400 مثل رواية حقيقية، رغم أنه يخص مسألة مصيرية في غاية الأهمية والإستراتيجية بالنسبة لمستقبل البشرية. ويؤكد المؤلف من خلال ما يقدمه من تحليلات أن مشكلة توفير المياه الصالحة للشرب لجميع البشر ستكون إحدى التحديات الكبرى خلال العقود القادمة.

مصدر نزاعات

المياه هي أيضا أحد مصادر النزاعات المعلنة والكامنة في العديد من مناطق العالم. وبهذا المعنى تشكل المياه «سلاحا سياسيا» تستخدمه السلطات القائمة في العديد من البلدان. ويشير المؤلف إلى أنه يتم في أحيان كثيرة تحويل مجاري الأنهار لسقاية النباتات دون إعطاء أية أهمية حقيقية لما يمكن أن يسببه ذلك من «عطش السكان» في البلدان المجاورة لها. كما تتم الإشارة إلى أن العديد من القادة العسكريين في التاريخ لجؤوا إلى غمر سهول كاملة بكل مزروعاتها بل وبالسكان الذين كانوا يعيشون عليها.

المؤلف في سطور

اريك اورسينا روائي وكاتب وعضو في الأكاديمية الفرنسية وهو أيضا صاحب العديد من الأعمال الروائية والدراسات. سبق له وحاز على جائزة «الغونكور» الأدبية، الأكثر شهرة في فرنسا، عن عمله «المعرض الاستعماري». من كتبه أيضا «عالم الموارد النادرة» و«قواعد اللغة أغنية لطيفة» و«رحلة إلى بلاد القطن»، الخ.

الكتاب: مستقبل المياه موجز صغير للعولمة

تأليف: اريك اورسينا

الناشر: فايار - باريس 2008

الصفحات: 411 صفحة

القطع: المتوسط

L'avenir de l'eau, petit précis de mondialisation

Eric Orsenna

Fayard - Paris 2008

P.411