يعتبر كتاب « المئذنة الحمراء سيرة ذاتية » أول كتاب مذكرات مكتوبة لأحد قيادات حركة «حماس» في الخارج. ومؤلفه هو إبراهيم غوشة، الناطق الرسمي باسم حماس سابقاً، ويسرد فيه تفاصيل عن سيرته الذاتية وعمله في صفوف حركة «حماس»، واختار له عنوان «المئذنة الحمراء».
ويشكّل الكتاب شهادة حية حول تجربة الإخوان المسلمين الفلسطينيين والأردنيين على مدى خمسين عاماً، كما يقدّم مادة غنية ومعلومات تنشر لأول مرة، لرجل كان حاضراً في صناعة القرار السياسي لحركة المقاومة الفلسطينية «حماس»، خصوصاً في السنوات الاثنتي عشرة الأولى من نشأتها، وتولى منصب الناطق الرسمي باسمها في الفترة 1991-1999. وتتميّز مذكرات غوشة بالوضوح والصراحة، كونها تبيّن الكثير من النقاط ووجهات النظر لدى حماس من عدد من القضايا، والتي قد تكون مثار جدل بين الباحثين، وبالذات في الفترة التي سبقت انتفاضة الأقصى. ويبدأ المؤلف بتغطية فترة طفولته ثم يصل إلى صيف 2007.
حيث يسرد ذكريات طفولته منذ مولده في القدس سنة 1936 وحتى سنة 1948، مشيراً إلى المئذنة الحمراء التي اختارها عنواناً لكتابه، والتي استخدمها لدلالتها على المكان الذي ولد فيه وعاش فيه أول أيام طفولته، حيث كانت هذه المئذنة لمسجد صغير يقابل بيت عائلته. وينتقل بعد ذلك إلى استعراض ذكرياته عن حرب 1948 وما تلاها حتى سنة 1954، ويتحدث عن انتمائه إلى الإخوان المسلمين وهو لا يزال في الصف السابع الابتدائي، وعمله في صفوفهم.
ومن أبرز ما تطرق إليه في تلك الفترة، الأزمة التي تعرض لها الإخوان المسلمون في القدس نتيجة تشكيل حزب التحرير، واستقطابه لأعداد كبيرة منهم، معظمهم من المعلمين والمثقفين. وكذلك انتقاله إلى القاهرة لدراسة الهندسة ببعثة من وكالة الأونروا، ونشاطه السري مع الإخوان المسلمين الأردنيين والفلسطينيين في مصر، وفي الرابطة الفلسطينية التي كانت تضم الطلبة الفلسطينيين في الجامعات المصرية. ويذكر هنا عن بداية تعرفه على ياسر عرفات وخليل الوزير، وتشكيل نواة حركة فتح وعلاقة الإخوان المسلمين معها، وخلفية الانفصال والتمايز بين الطرفين.
ومن بين التفاصيل التي يوردها في مذكراته، والتي يُسلّط عليها الضوء لأول مرة، إنشاء التنظيم الفلسطيني للإخوان المسلمين في قطاع غزة سنة 1960، والذي شكل أساس التنظيم التي بنيت عليه حركة حماس بعد عقود، وخلفيات اختيار هاني بسيسو ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين الفلسطينيين سنة 1963.
ويكشف لأول مرة تفاصيل عن المؤتمر الداخلي الذي عقده الإخوان المسلمون لبحث قضية فلسطين سنة 1983، والذي كرّس مفاهيم كانت مثار نقاش، فأكد على عدم وجود تعارض بين العمل لإنشاء الدولة الإسلامية، وبين الجهاد لتحرير فلسطين، كما يكشف تفاصيل عن تفرغه للعمل في جهاز فلسطين سنة 1989، وإسناد مهمة تشكيل أول لجنة سياسية لحركة حماس في الخارج إليه، والتي تشكّلت في الكويت، ثم تحدث عن تعيينه ناطقاً رسمياً باسم حماس في أواخر سنة 1991.
وحول علاقة حركة «حماس» بحركة «فتح»، وتاريخ الحوار والاحتكاك معها؛ يتحدّث المؤلف عن أول حوار جمع حماس بفتح في العاصمة اليمنية صنعاء في الفترة 10 -12/8/1990، وعن لقاء الخرطوم بين الحركتين في أغسطس 1991، وعن الاشتباكات التي اندلعت بين حركتي حماس وفتح في قطاع غزة في يوليو 1992، ولقاء وفد حماس بياسر عرفات في تونس في أواخر سنة 1992.
والحوار مع فتح في الخرطوم في أوائل سنة 1993، قبل انعقاد مؤتمر مدريد ويروي المؤلف أيضاً، بشيء من التفصيل، قصة اعتقال قادة حماس في الأردن وإبعادهم إلى قطر في سنة 1999، كاشفاً معلومات حول الاعتقال وظروفه والطريقة التي تم التعامل بها معهم طوال شهرين، كما يتحدث عن لحظة إبعادهم والطريقة التي أبعدوا بها، والمفاوضات المستمرة مع الجانب الأردني طوال تلك الفترة ولسنتين بعدها، قبل عودته إلى الأردن سنة 2001. ويذكر تفاصيل عن الفترة من 2000 إلى 2001، وعن كيفية تطور علاقة حركة حماس مع دمشق والأردن والسلطة الفلسطينية، وعن انتفاضة الأقصى.
ثم ينتقل إلى تقديم تقييم سياسي للسنوات 2001 - 2007 عارضاً رؤيته لتجربة حماس في الانتفاضة وعلاقتها مع حركة فتح، وعن أحداث 11 سبتمبر 2001، ووفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وفوز حماس في الانتخابات التشريعية وما ترتب على ذلك من استحقاقات هائلة، والأحداث العسكرية التي قادت إلى انفصال قطاع غزة. ويبدو أنه كان من الأشخاص الذين تحفّظوا على مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية، خشية إضعاف جانب المقاومة في عمل حماس.
اتفاق جنتلمان
تكشف مذكرات إبراهيم غوشة تفاصيل عن بدء ترسيم علاقة الحركة مع الأردن، وموافقة الأخير على استضافة المكتب السياسي لحركة حماس بعد مغادرته للكويت على خلفية حرب الخليج الثانية، وعن اللقاءات التي تمت بين الطرفين، والتي انتهت بالتوصل إلى «اتفاق الجنتلمان» الذي سمح لحماس بالنشاط السياسي والإعلامي في الساحة الأردنية، على أن لا تتدخل في الشأن الأردني، وأن لا تقوم بأي عمليات عسكرية انطلاقاً من الأردن.
المؤلف في سطور
إبراهيم غوشة عضو سابق في المكتب السياسي لحركة حماس والناطق الرسمي باسمها. ولد في القدس في 26/11/1936م، ومتزوج ولديه خمسة أبناء. أنهى دراسته الثانوية من المدرسة الرشيدية، والتحق بالحركة الإسلامية في القدس عام 1950، وكان من الناشطين الإسلاميين في رابطة الطلاب الفلسطينيين في مصر. وتخرج من كلية الهندسة في جامعة القاهرة عام 1961.
حيث تخصص في الهندسة المدنية، وعمل مهندساً في قناة الغور الشرقية بالأردن في الفترة 1961-1962، وسافر إلى الكويت، حيث عمل في بلدية الكويت في الفترة 1962-1966، وعاد إلى الأردن ليعمل في مشروع سد خالد على اليرموك 1966-1971، ثم سافر مرة أخرى إلى الكويت حيث عمل في أبراج الكويت لمدة عام واحد فقط 1971-1972، وعاد ليعمل مديراً لمشروع سد الملك طلال في الأردن في الفترة 1972-1978، وتفرغ للعمل في حركة «حماس»، منذ عام 1989م، وصار الناطق الرسمي باسمها في عام 1992م حتى عام 1999.
عمر كوش
الكتاب: المئذنة الحمراء سيرة ذاتية
تأليف: إبراهيم غوشة
الناشر: مركز الزيتونة - بيروت 2008
الصفحات : 376صفحة
القطع: الكبير

