يعد كتاب «جلال طالباني، أحداث ومواقف» لمؤلفه سالار أوسي بمثابة مراجعة سريعة للتجربة النضالية والحزبية والسياسية والثورية والحياتية التي خاضها طالباني على جميع الجبهات، ففي الفصل الأول يعرض أوسي لنشأة طالباني السياسية، وانضمامه المبكر إلى الحياة الحزبية، ويُظهر دوره في إطار الحركة الطلابية داخل تنظيمات الحزب الديمقراطي الكردي، والمهام السياسية والإعلامية التي اتخذها على عاتقه في تلك المرحلة.

وبعدما يتوقف الكاتب، في هذا الفصل، عند الجانب الثقافي في شخصية طالباني، وكتاباته الصحفية والبحثية والتحليلية، وخطابه الفكري والسياسي، ينتقل، في الفصل الثاني، ليتناول دوره السياسي والميداني في استئناف النضال الكردي، واندلاع الثورة الكردية الجديدة، بعد انهيار ثورة أيلول إثر اتفاقية الجزائر المعروفة عام 1975م. ويعرض الباحث، هنا، لمرحلة ما بعد تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وقراءاته لطبيعة المجتمع الكردي، ومحاولاته إظهار القضية الكردية وفق أسس ومبادئ عصرية.

يناقش سالار أوسي ابرز المهام التي اتخذها الزعيم الكردي على عاتقه، وهو التركيز والحرص على العلاقات العربية ـ الكردية، وهو ملف لطالما تعرض لسوء الفهم من جانب الراديكاليين في الطرفين، وكان طالباني يسعى، على الدوام، نحو إقناع الطرف العربي بضرورة التعامل الايجابي مع القضية الكردية، لما في ذلك من مصلحة للطرفين. ويتوسع الكاتب في هذا المجال ليظهر طبيعة العلاقة التي كانت تربط طالباني ببعض الزعماء العرب من أمثال جمال عبد الناصر، وحافظ الأسد، ومعمر القذافي... وسواهم.

ويلفت أوسي الانتباه إلى المبدأ الذي اعتمده طالباني في علاقاته وتحالفاته، والذي كان قائما على استقلالية القرار السياسي الكردي، ومحاولة إظهار الطرف الكردي كندّ، وصاحب قضية عادلة لا كتابع في بورصة التوازنات السياسية الإقليمية، والدولية.

وينتقل إلى الحديث عن التجربة التفاوضية لطالباني مع الحكومات العراقية المتعاقبة، وخصوصا نظام صدام حسين، وهو هنا يستعرض طريقة الزعيم الكردي في إدارة المفاوضات، وحنكته في الصراع السياسي والدبلوماسي، وفهمه لطبيعة النظام السابق، ليختم الباحث الكتاب بفصل يشرح فيه الجانب الوطني لدى «مام جلال» من خلال تسليط الضوء على دوره، ومكانته في صفوف المعارضة العراقية التي كانت نشطة قبل سقوط النظام السابق في نيسان من العام 2003م، فقد عدّ طالباني، في مختلف أنشطة المعارضة العراقية، قطبا رئيسا لا يمكن تجاهل دوره.

لدى الانتهاء من قراءة هذا الكتاب يتبادر إلى الذهن سؤال عفوي: هل يمكن اختزال تجربة سياسية تجاوزت عمرها النصف قرن في كتاب لا يتجاوز عدد صفحاته المئتي صفحة، إلا بقليل؟ بالطبع الجواب هنا سيكون بالنفي، غير أن الجهد الذي بذله أوسي، والمعلومات والأرقام والوثائق التي أدرجها في كتابه تدفعنا إلى القول بان هذا الكتاب يشكل وثيقة عن شخصية سياسية كردية هي موضع خلاف.

كما أن سالار أوسي، وخلال حديثه عن طالباني، يضطر إلى تسليط الضوء على مرحلة سياسية عاصفة؛ مليئة بالتحولات الدراماتيكية، محاولا تقديم شخصية جلال طالباني، بسلبياتها وايجابياتها، ودون أية مبالغات أو مديح مجاني، وينأى بنفسه وبلغته عن تلك العبارات والكليشهات النمطية التي تتسرب غالبا إلى كتابات الباحثين الأكراد لدى تناولهم أية شخصية سياسية؛ قيادية.

نحن هنا أمام نبرة مختلفة تطمح إلى وضع تجربة سياسية أمام مجهر، في سعي إلى قراءة مواقف الرجل على ضوء التطورات السياسية التي شهدتها فصول القضية الكردية في العراق، ولعل الجانب اللافت في هذا البحث هو أن الكاتب لم ينتم يوما إلى الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه طالباني، الأمر الذي أفضى إلى مقاربة حيادية؛ متوازنة، كما أن أوسي لم يلجأ إلى المؤسسات الكردية بغرض الحصول على دعم ما، فهذا الدعم كان سيقابله بعض الابتزاز، والسعي إلى فرض آراء محددة.

إن هذا الكتاب هو حصيلة جهد فردي، بيد أن الكاتب استعان ببعض الأصدقاء الذين وفروا له الوثائق والحوارات والنشرات والبيانات المطلوبة والتي وظفها الكاتب في بحث جاء مكثفا، ليضيء جانبا من جوانب شخصية سياسية نالت السخط والرضا بنفس المقدار، وفي نفس الوقت.

خصومات كثيرة

جلال طالباني لم يكن، في أي مرحلة من مراحل النضال الصاخبة؛ الطويلة سياسيا عاديا، بل كان جريئا، ودبلوماسيا في الآن ذاته، وهذه الجرأة الخارجة عن المألوف السياسي وفرت له خصومات كثيرة، وأنتجت انقساما حادا حول شخصية لطالما اتهمت ب«الازدواجية في المعايير»، وتبديل الموقف السياسي تبعا للظروف الطارئة. لكنها استطاعت، رغم ذلك، أن تترك بصمة نافرة على مجمل التطورات التي شهدتها هذه القضية، ليس في العراق فحسب، بل كذلك في كل من تركيا، وإيران، وسوريا.

تجاوز الانتقادات

عرف جلال طالباني طيلة سني حياته باعتدال في الرأي، كما يرى مؤيدوه، وبرزانة في وجهة النظر، وبدبلوماسية عقلانية؛ هادئة بدت عصية على الفهم لدى أوساط المجتمع الكردي الذي لم ينل من الثقافة والعلم والسياسة إلا القليل نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية المعروفة، ونتيجة الاضطهاد الذي تعرض له في تاريخه الحديث والقديم. ولم يكن طالباني يولي اهتماما لتلك الآراء والانتقادات التي توجه إليه، فلو استمع إليها لكان استقال من العمل السياسي باكرا.

المؤلف في سطور

سالار أوسي هو كاتب وصحافي كردي سوري من مدينة القامشلي. صدر له، من قبل، كتاب «الكُرد في الوعي الثقافي العربي»، وهو عبارة عن مجموعة من الحوارات مع مثقفين ومفكرين عرب حول القضية الكردية. كما انه يكتب في الصحافة، والدوريات العربية المختلفة مثل صحيفة «المستقبل» اللبنانية، وصحيفة «العرب» القطرية، فضلا عن صحف ومجلات سورية محلية.

إبراهيم حاج عبدي

الكتاب: جلال طالباني أحداث ومواقف

تأليف: سالار أوسي

الناشر: دار أبعاد ـ بيروت 2008

الصفحات : 210صفحة

القطع: المتوسط