يعتبر كتاب «الديمقراطية العصية في الخليج العربي» لمؤلفه باقر سلمان النجار في مجمله نتاجا يحاول لخبراته المرتبطة بالعمل في العديد من المؤسسات الخيرية والتطوعية في المجتمع البحريني، وهو الأمر الذي ساعده على التعرف على الكيفية التي تدار بها هذه المؤسسات والوقوف على نقاط القوة والضعف الخاصة بها. كما ساعدته هذه الخبرات أيضاً على رصد وتحليل العلاقة القائمة بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة في منطقة الخليج.

وفي إطار هذا المدخل التصالحي تبنى الكاتب مقاربة مفاهيمية لا تفرض تصورا واحدا للمجتمع المدني، بقدر ما تنطلق من تصور مرن يربط المجتمع المدني بالسياق الاجتماعي والتاريخي الذي ينبثق منه. من هنا فإن تجربة المجتمع المدني في عالمنا العربي لن تكون تكرارا لمثيلتها في المجتمعات الغربية. وهو تصور مرن يتأسس على طبيعة التطورات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مر بها العالم العربي ومازال يواجهها حتى الآن. إن كل التنظيمات التي تقع في المسافة بين الأسرة والمجتمع هي مادة هذا الكتاب في عموم المجتمعات الخليجية، وإن كان المجتمع البحريني والكويتي يحتلان المساحة الأكبر من التناول، كما أنهما يشملان باقي المجتمعات الخليجية بحكم أسبقية تطورهما التاريخي وحجم الصراعات التي اكتنفتهما منذ عقود طويلة وحتى الآن. من هنا فإن التعامل مع منطقة الخليج يجب أن يضع في الاعتبار الفروق التاريخية والسياسية والاجتماعية بين مجتمعاتها المختلفة.

يتناول الكاتب المؤسسات والأندية والجماعات المختلفة التي مثلت بالنسبة له تجسيرا للمسافة القائمة بين الأسرة والدولة في المجتمعات الخليجية. وفي هذا السياق جاء المجتمع البحريني الأسبق تاريخيا من حيث ظهور الأندية والجمعيات الخيرية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين على يد مجموعة من الشباب المثقف، وتلاها في الظهور العديد من الأندية الأخرى التي ظهرت في الكويت في مطلع خمسينات القرن الماضي على يد مجموعة من الطلبة الكويتيين الدارسين في بيروت.

وإذا كانت النخبوية قد غلبت على طبيعة ظهور هذه الأندية الفكرية فقد غلبت أيضاً على ظهور العديد من غرف التجارة والصناعة التي ظهرت في العديد من الدول. ورغم الدور الكبير الذي لعبته جماعات التجار الثرية في مرحلة ما قبل ظهور النفط واستخدامه بشكل اجتماعي واسع، فإن هذا الدور قد انحسر إلى حد كبير في مرحلة ما بعد النفط نتيجة لغياب الدور الاجتماعي الخيري للتجار وزيادة علاقاتهم بالدولة واعتمادهم عليها.

لقد أعادت الدولة من خلال ثرواتها الهائلة في مرحلة ما بعد النفط تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية المختلفة سواء من خلال مواقفها من الجماعات المهنية والثقافية المختلفة أو من خلال مواقفها من جماعات التجار الثرية. ولم يكن موقف الدولة هو الموقف الحاسم فقط في إعادة ترتيب علاقات القوة وتشكيل الخريطة السياسية في الخليج، بل لعبت القوى التقليدية المختلفة وعلى رأسها علاقات القرابة القبلية دورا كبيرا في ذلك.

إضافة إلى ذلك تعرضت الجماعات الثقافية في كل المجتمعات الخليجية لتأثير القوى الدينية التقليدية التي ساندتها الدولة في الخليج في الكثير من الأحيان من أجل تحقيق التوازن مع القوى الليبرالية واليسارية والتقدمية الأخرى. وهو ما صبغ دور الدولة بالتلاعب بين القوى السياسية المختلفة من أجل ضمان تفردها النهائي بالهيمنة السياسية على مقاليد الأمور. وفي كلمة لم يكن خيار الديمقراطية والإصلاح السياسي للدولة في الخليج استراتيجيا بقدر ما كان تكتيكيا، ولعل ذلك ما يفسر التقدم والنكوص في مسيرة الإصلاح السياسية الخليجية.

ورغم هذا الدور الذي لعبته الدولة فإن الكتاب يؤكد بحتمية التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني من جانب وبين الدولة من جانب آخر. فلا يوجد مجتمع يعتمد فقط على مؤسساته المدنية كما لا يوجد مجتمع تستولي فيه الدولة على كل الأدوار المختلفة. وهو مدخل يتطلب الصبر من الدولة وضرورة تدعيمها لما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، مع ضرورة تنحية سياسة تأليب طرف على طرف آخر.

وحسب تعبير باقر النجار في ختامه كتابه «فإن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا عندما يتحول الوطن والوعي به على أنه وطن لكل الناس، وأن الدولة شأن عام يخص كل الناس فلهم فيها حق وعليها واجب، وأن مسائلتها وتقويمها وتدوير مراكزها، ومراكز تنظيماتها واجبة لا مستحبة، بل إنها إحدى الضرورات المعاصرة».

التعريف المبسط

يتبنى الكاتب تعريفا إجرائيا مبسطا يعرف المجتمع المدني على أنه «مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة أو المستقلة نسبيا، والتي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، أو تحقيق منفعة جماعية للمجتمع ككل، وهي في ذلك ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والإدارة السلمية للتنوع والخلاف».

المؤلف في سطور

باقر سلمان النجار باحث خليجي من البحرين حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع في بريطانيا ومنسق أبحاث مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية ويعمل أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة البحرين وعمل رئيسا لقسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب وعميدا لكلية الآداب بجامعة البحرين وعضوا في مجلس الشورى البحريني، له العديد من المؤلفات أهمها: الحركات الدينية في الخليج العربي وصراع التعليم والمجتمع في الخليج العربي وحلم الهجرة للثروة وامرأة في الخليج العربي وتحولات الحداثة العسيرة.

د. صالح سليمان عبدالعظيم

الكتاب: الديمقراطية العصية في الخليج العربي

تأليف: باقر سلمان النجار

الناشر: دار الساقي - بيرو ت 2008

الصفحات: 312 صفحة

القطع: الكبير