هل يمكن تأسيس دولة يهودية دون تعريف الهوية اليهودية، ودون التوصل إلى تعريف من هو اليهودي؟ هذه القضية أو الإشكالية التي لا يعطيها الإعلام العربي ما تستحقه من أهمية، هي التي يحاول هذا الكتاب للمفكر الراحل د.عبد الوهاب المسيري إلقاء الضوء عليها.

وقد يقول قائل إن هذه الإشكالية من مخلفات الماضي وانها من الأمور الشكلية غير العملية لأنها تؤثر في سلوك المستوطنين الصهاينة، ولكن مثل هذا القول سيكون من قبيل تطبيع النسق السياسي الاستعماري الصهيوني، أي النظر إليه كما لو كان نسقا سياسيا عاديا وليس كيانا استيطانيا إحلاليا له ظروفه الخاصة. ويرى د. المسيري في كتابه الذي دفع به للنشر قبل رحيله أن تعريف اليهودي مسألة أساسية للعقد الاجتماعي الصهيوني، فإذا كان تعريف المسيحي على سبيل المثال في الولايات المتحدة مسألة شكلية وتهم المسيحيين وحدهم، فإن هذا يعود إلى أن حكومة الولايات المتحدة لا تبحث عن شرعية مسيحية، ذلك أن مصادر شرعيتها تقع خارج نطاق الديانة المسيحية، بل وربما خارج التراث المسيحي ككل.

أما الدولة الصهيونية فهي تدعي أنها يهودية وأنها تجسد قيما إثنية دينية أو دينية قومية، وأنها استمرار للدولة اليهودية القديمة (ولذا يطلق الصهاينة على إسرائيل اصطلاح «الهيكل الثالث» باعتبار أن هيكل سليمان هو «الهيكل الأول» وأن هيكل هيرود هو «الهيكل الثاني»).

ويكشف د.المسيري أن قضية تعريف اليهودي ليست قضية دينية أو سياسية وحسب، بل قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات، وإلى الأساس الذي يستند إليه تضامن المجتمع الصهيوني، وإلى مصادر شرعيته. ففكرة أن اليهود يشكلون شعبا بلا أرض، لا تقل في زيفها وكذبها عن فلسطين أرض بلا شعب. وإذا كان الشعب العربي الفلسطيني يقاوم هذه الأكذوبة ويثبت من خلال أشكال النضال كافة أن فلسطين أرض عربية مأهولة بسكانها العرب، فإن الواقع الإثني والعرقي للمستوطنين الصهاينة في فلسطين المحتلة، وللجماعات اليهودية خارجها، يتحدى الأطروحات الصهيونية ويبين طبيعتها الاختزالية الفاشية.

كما يبين من خلال دراسة «تواريخ وثقافات وفنون الجماعات اليهودية» عدم تجانس الجماعات اليهودية في العالم، وأن كل جماعة لا تستمد خطابها الحضاري (ثقافتها وفنونها) من ثقافة يهودية عالمية وإنما من المجتمع الذي تعيش في كنفه، ويبين د. المسيري التناقض بين الرؤية الصهيونية لما يسمى الهوية اليهودية وواقع الجماعات اليهودية.

يذهب د. المسيري إلى أن المجتمع الصهيوني لن ينهار من الداخل لأن مقومات حياته ليست داخله وإنما خارجه، إذ يوجد عنصران يضمنان استمراره، رغم كل ما يعتمل داخله من تناقضات، وهما الدعم الأميركي والغياب العربي، ولذا ما سيؤدي إلى انهيار الكيان الصهيوني العنصري ليست تناقضاته الداخلية وإنما الاجتهاد والجهاد العربي، فهما وحدهما الكفيلان بذلك، هذا لا يعني تجاهل هذه التناقضات، فمن الضروري فهمها وتوظيفها في صراعنا ضده.

سمات متنوعة ومتناقضة

يحاول د.عبد الوهاب المسيري تفكيك «الهوية اليهودية الواحدة العالمية» وذلك عن طريق استعراض السمات المختلفة والمتنوعة والمتناقضة لعشرات الجماعات اليهودية الرئيسية (مثل السفارديم والإشكناز) والهامشية (مثل يهود الهند والصين والقوقاز والدونمة) وبين مدى عدم تجانسها على كل من المستوى الإثني (الثقافي والحضاري) والمستوى الديني.

المؤلف في سطور

عبد الوهاب المسيري رحل في 3 يوليو 2008 وُلد في دمنهور 1938 ومن أهم أعماله (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد) ثمانية مجلدات، وكتاب (رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية ـ في البذور والجذور والثمار) ومؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) جزآن، (إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد) سبعة أجزاء.

كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأميركية مثل: الفردوس الأرضي، والفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، والحداثة وما بعد الحداثة، ودراسات معرفية في الحداثة الغربية. وله أيضاً دراسات لغوية وأدبية كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية. وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال.

محمد الحمامصي

الكتاب: من هم اليهود؟ ما هي اليهودية؟ أسئلة الهوية وأزمة الدولة اليهودية

تأليف: د.عبد الوهاب المسيري

الناشر: دار الشروق - القاهرة 2008

الصفحات: 396 صفحة

القطع: المتوسط