على الرغم من مرور سبعة عشر عاماً على حرب الخليج الثانية (1991) التي عرفت أيضاً باسم حرب تحرير الكويت و«عاصفة الصحراء»، فإن كتاب «حرب الخليج الثانية» لمؤلفه عبد الكريم جاني سهرو يبدو أنه بالغ الأهمية، لسبب يمكن الانتباه إليه بسهولة وهو أن المؤلف يَدخل في عمق كل حادثة وكل مشكلة وكل وضع سياسي مستجد، ويعرض لنا الأسباب البعيدة جداً لهذه المشكلات والأحداث والأوضاع، والاحتمالات المختلفة التي يمكن أن يكون بعضُها أو كلها قد أفضى إلى وقوعها.
فالكويت التي اشتق اسمها من الكوت ويعني (الحصن) واسمها القديم (القرين) كانت منذ القدم محطاً لأطماع الإمبراطوريات العظمى، ومسرحاً للصراع بين الفرس والعثمانيين والإنجليز، ومن بعد الأميركيين، فهي تتمتع بمزايا جغرافية واستراتيجية تؤهلها لأن تكون قاعدة مثالية بأيدي كل من يريد السيطرة على المنطقة، فموقعها على رأس الخليج، وقربها من حقول النفط الرئيسية في كل من العراق والسعودية وإيران، وافتقارها إلى كيان دولي أو ديني كالحجاز، جعلها هدفاً رئيسياً لهذه الأطماع. يعود تاريخ الكويت الموثق إلى سنة 1752 وهو تاريخ بداية حكم الشيخ صباح بن جابر الذي ينتسب إلى فخذ (العتوب) من قبيلة عنزة، وكانت تخضع لإدارة والي البصرة العثماني.
وبعد قرن ونيف، وبالتحديد في سنة 1899 سعى قائمقام الكويت مبارك بن صباح الذي عرف باسم «مبارك الكبير» إلى الحصول على استقلال الكويت عن الدولة العثمانية، وطلب لأجل ذلك المعونة والحماية من بريطانيا التي كانت أيامئذ تعاني من منافسة حادة في منطقة الخليج، فالروس كانت لهم أطماع هناك، وكذلك الأتراك وحلفاؤهم الألمان، وبناء على ذلك تم توقيع معاهدة الحماية على الكويت التي أثارت غضب العثمانيين وجعلتهم يسعون إلى إعادتها إلى نفوذ مملكتهم أكثر من مرة.
إن المشكلة ذات الحساسية الأكبر ضمن هذا الملف هي مشكلة الحدود، فمنذ أن تولى الشيخ أحمد جابر الصباح إمارة الكويت سنة 1922 أخذ على عاتقه أمر تثبيت الحدود مع جيرانه، العراق ونجد.
واعترف بالحدود التي نصت عليها الاتفاقية البريطانية العثمانية عام 1913 والمؤشرة بالخط الأخضر على الخرائط المرفقة بها. حينما نصل إلى الفصل الرابع من كتاب »حرب الخليج الثانية« ستبلغ دهشتنا مداها، وذلك حينما يعلمنا المؤلف أن أميركا قد خططت لهذه الحرب منذ سنة 1952، حينما أقدم الدكتور محمد مصدق على تأميم النفط الإيراني فوجه ضربة قوية للمصالح الأميركية والبريطانية في المنطقة.
وكانت مهمة الدبلوماسية الأميركية خلال هذه السنين كلها خلق وضع من الشرعية الدولية يسمح لها باحتلال الكويت وتحويلها إلى محمية أميركية.وبعد انسحاب بريطانيا سياسياً من منطقة الخليج سنة 1970 عهدت إلى شاه إيران بحراسة المصالح الغربية في الخليج، ولكن هذا لم يقنع أميركا فأسست في سنة 1978 قوة ضاربة من مئة ألف جندي لمواجهة التقلبات الإقليمية، ولدى دخول الاتحاد السوفييتي إلى أفغانستان صرح جيمي كارتر بأن الخليج منطقة تهم المصالح الأميركية بشكل أساسي وأية محاولة للتحكم في هذه المنطقة من جانب أي قوة خارجية تعتبر هجوماً على المصالح الأميركية.
وفي سنة 1980 أنشئت قوة الانتشار السريع وتعهد كارتر بالدفاع عن منطقة الخليج وشكل القيادة المركزية التي أنيطت بها مسؤولية العمليات العسكرية والمساندة الأمنية في جنوب غرب آسيا وشبه جزيرة العرب والقرن الإفريقي، وكان من الأهداف المعلنة لتشكيل هذه القوات منع العرب من استخدام النفط كسلاح كما حدث في حرب 1973.
استدرج الأميركيون العراقيين أكثر من مرة لغزو الكويت، لكنهم لم ينجحوا إلا مع صدام حسين حينما طمأنوه على لسان مسؤول في الخارجية الأميركية بأن الولايات المتحدة لا تربطها بالكويت معاهدة دفاع مشترك، وأنها ليست ملزمة بالدفاع عنها.وكانت لتلك الحرب أهداف أخرى منها تحجيم القدرات العسكرية العراقية المتنامية، وتقليص الاستثمارات الكويتية والسعودية في سندات الخزينة الأميركية وذلك باحتساب الاستثمارات تسديداً لنفقات الحرب، والسيطرة على احتياطي النفط الكبير المتمثل في السعودية والعراق لضمان احتياجات أميركا من الطاقة الرخيصة لأجيال قادمة والقضاء على أي تحرك مناويء للمصالح الأميركية.
المؤلف في سطور
عبد الكريم جاني سهر كاتب عراقي مقيم في السويد منذ سنة 1991، وهو خريج دار المعلمين العالية (كلية التربية) ببغداد 1953.عضو اتحاد الكتاب والمؤلفين في السويد. من أعماله: قاموس الرافدين (سويدي ـ عربي) يحتوي على ثمانين ألف كلمة، وساداكو وطيور الغرنوق الورقية. والأمثال السويدية وما يقابلها في العربية، والصبي الذي أراد أن يكون رجلاً وأميركا والحرب، وتحت الطبع قاموس (مندائي ـ عربي).
خطيب بدلة
الكتاب: حرب الخليج الثانية
تأليف: عبد الكريم جاني سهر
الناشر: دار الحصاد دمشق 2007
الصفحات : 160صفحة
القطع: المتوسط

