انتظرت نحو 30 عاماً للعودة إلى وطنها بعد رحلة قاسية في غياهب المنفى
دخلت المغنية الجنوب إفريقية مريم ماكيبا، التي غيبها الموت في إيطاليا مؤخرا، دائرة الشهرة العالمية من أوسع أبوابها عبر ارتباط اسمها بالنضال ضد النظام العنصري البغيض الذي كان سائدا في بلادها، مما دفع الأمم المتحدة إلى تسميتها مندوبة لها. التزامها بالكفاح ضد نظام الفصل العنصري البشع مضاف إليه شهرتها كمغنية ذاع صيتها في جميع أرجاء المعمورة، أثار ردة فعل عنيفة من جانب الحكومة العنصرية في جنوب إفريقيا، فأجبرتها على مغادرة الوطن إلى غياهب المنفى وفرضت حظرا على جميع اسطواناتها الموسيقية. وكان على المغنية الانتظار نحو 30 عاما للعودة إلى جنوب إفريقيا، بعد أن تمكن نيلسون مانديلا عام 1990 من إقناعها بالعودة إلى موطنها الأصلي. أمها من شعب «سوازي» وأبوها، الذي توفي عندما كان عمرها 6 سنوات،كان من «الشوسا». أثناء تلك المرحلة الطويلة من حياتها، التي أعطت من ذاتها الأفضل في الحقل الفني، عاشت ماكيبا، في البداية، في أوروبا ومن ثم انتقلت للعيش في الولايات المتحدة. في عام 1985،إثر وفاة ابنتها الوحيدة بونجي، عادت لتعيش في أوروبا.
في عام 2005، قررت أن تقول وداعا لخشبات المسارح بجولة مأثورة لا تنسى، أخذتها إلى جميع البلدان التي كانت قد غنت فيها سابقا. الفنانة ذات آل 76 عاما، التي أشاعت أغنية «باتا باتا» - امش معي قليلاً - غنت حافية القدمين طيلة نصف ساعة أمام جمهور حار ودعها وسط عاصفة من التصفيق، لكنها شعرت، في نهاية المطاف، بتدهور حالتها الصحية بعد الحفلة الموسيقية الأخيرة.
مساعدوها اعتقدوا في الوهلة الأولى أن الأمر كان يتعلق بوعكة عابرة، لكن بما أنها لم تتحسن نقلوها إلى المستشفى، وهناك تبين للأطباء أنها أصيبت بأزمة قلبية فحاولوا إسعافها، إلا أن ماكيبا لم تتمكن من التغلب على تلك المحنة. مريم ماكيبا،التي دمغت حياتها بالكفاح المدني ضد الفصل العنصري، توفيت وهي تقاتل في «كاستيلفوتورنو»، مسرح مجزرة عنصرية خطيرة جدا ارتكبت قبل أكثر من شهر بقليل وأرض الكاتب الايطالي روبرتو سافيانو، المهدد بالقتل من قبل منظمة «كامورا».
أثناء العقود الطويلة والثقيلة لنظام آل «أبارتهيد»، النظام المستوحى من معايير أملتها حركة عنصرية بيضاء كانت متعاطفة،بلا تحفظ،مع النازية وتمتعت بتواطؤ لا حدود له من جانب «الليبراليين» البيض الجنوب إفريقيين ذوي الأصول البريطانية،كانت مريم ماكيبا أحد أكثر الرموز حرية وميلا إلى القتال في حركة المقاومة. ماكيبا المولودة في جوهانسبورغ في 4 مارس 1932، رغم أنها أمضت طفولتها في بريتوريا في ترانسافال، استهلت مسيرتها الغنائية في خمسينيات القرن الماضي مع فرقة «مانهاتن برذرز»، ومن ثم أنشأت فرقتها الخاصة «ذي سكايلارك»، التي جمعت موسيقى الجاز مع الموسيقى التقليدية الجنوب إفريقية.
في عام 1959، وأثناء جولة أروبية لها، علمت ان الحكومة العنصرية أنكرت عليها أن تكون مواطنة في بلدها نفسه وحرمتها من جنسيتها، أنكرت عليها أن تكون مواطنة في قارة انتهى بها الأمر إلى تسمية ماكيبا بـ «أم إفريقيا». ومنذ ذلك الحين وصوت مريم ماكيبا يلف العالم ويشجنه راويا حكاية بلد مغتصب من خلال الاسطوانات والحفلات الموسيقية دون أن يتوقف ولو للحظة واحدة عن توجيه إصبع الاتهام إلى الطغاة في بلادها وأصدقائهم والمتواطئين معهم، الذين لم يكن عددهم ضئيلا بالمرة ومن بينهم عدد من الكتاب والمثقفين الذين كانوا يزورون جنوب إفريقيا ويكتبون مقالات عنها فيها الكثير من المديح والإطراء حيال ما أسموه تقدما استطاعت البلاد تحقيقه بفضل فعالية نظامها مقارنة مع ما كانت تقوم به حكومات أخرى حيال السكان الأصليين.
كان الأمر يتعلق باقتباس أصيل للعبارة الشهيرة التي قالها ونستون تشرشل والتي تفيد بأن نظام ال«الأبارتهيد» ربما يكون أسوأ نظام في القارة باستثناء جميع الأنظمة الأخرى، لكن كان يتعين على تشرشل القول أيضا إن الديمقراطية البرجوازية هي النظام الأسوأ لأنها لا تسمح بوجود أي نظام آخر. نادرا ما كانت تنسى مريم ماكيبا ذكر الحقائق الأربع والناس الذين كانوا يذهبون لسماعها كانوا مدركين لذلك. أدت مريم موسيقاها في أنحاء كثيرة، وكذلك في السينما وتحديدا في أفلام تتضمن رسائل رنانة وحاسمة كما هي حالة «سارافينا».
لكن تلك المسيرة الفنية ما كانت لتكون نفسها من دون المزج الحكيم والخلاق بين موسيقى الجاز والتقليد الإفريقي، وما كان لها أن تتمتع بذلك التأثير الذي حققته من دون مساندة رفاقها الأميركيين، الذين ساعدوها على دخول الولايات المتحدة. هناك توطدت مكانة مريم، فلقد تمكنت بروحها الكفاحية من أن ترسخ إلى حد كبير الروابط بين الحركة السوداء الأكثر راديكالية في الولايات المتحدة وحركة المقاومة ضد ال«أبارتهيد».
كما ارتبط اسم مريم بتوجه السينما الأميركية ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، منبر اعتمد على مساهمات قوية من جانب سيدني بويتير، داني غلوفر، مورغان فريمان، ووبي غولدبيرغ ومن جانب آخرين بيض مثل باربرا هرشي، مارلون براندو، سوزان ساراندوم، دونالد سثرلاند.. والقائمة تطول.
لكن وقع مشاركة ماكيبا في الحكومة كان سيكون سيئا على مريم لجهة دخولها إلى عملية الإصلاح التي تم الاتفاق عليها والتي تسمح للمؤتمر الوطني الإفريقي بالحكم طالما أنه لا يمس ثمار عملية السلب والنهب التي فرضها الاستعمار طوال قرون من الزمن على الغالبية من السكان ألأصليين بوحشية قل نظيرها ويجب ألا تنسى. الآن، تلك الغالبية أكثر حرية، لكنها أكثر فقرا كذلك.
الفنانة الجنوب إفريقية غنت طيلة أكثر من نصف ساعة أثناء الحفلة الموسيقية الأخيرة التي نظمتها في إيطاليا تضامنا مع روبرتو سافيانو، المهدد بالقتل من قبل منظمة «كامورا»، التي لها الكثير من الأصدقاء بين أوساط السلطات السياسية والكنسية الإيطالية.
في نهاية المطاف أحست بأنها متعبة وتوفيت جراء أزمة عصفت بقلبها الرقيق. قصة هذه الفنانة العظيمة جديرة بأن تكتب على شاهد قبرها، في حين تحظى الآن بكل أنواع التكريم، لكن لا بد من تذكر أن نضالها لا يزال أمامه الكثير من الأشواط على هذا الصعيد في إيطاليا لكن في المقام الأول في جنوب إفريقيا على الرغم من أن الذين يحكمون هناك في يومنا هذا هم الذين يطالبون بتحقيق وصيتها. لكن مريم لم تغن من أجل قضية إنسانية عادلة ولم تناضل ضد ال«أبارتهيد» فحسب، بل إنها غنت وناضلت ضد البؤس والخديعة أيضا. بينما يبقى لنا نحن ذكراها واسطواناتها.
ماكيبا في سطور
مريم ماكيبا (مارس 1932 - 9 نوفمبر 2008) مغنية جنوب إفريقية وناشطة في مجال حقوق الإنسان. منذ بداية الخمسينات من القرن العشرين راحت تشق طريقها بقوة إلى عالم الشهرة على متن بأغانيها التي راحت ترددها حناجر المضطهدين من أبناء جلدتها، وشيئا فشيئا بدأت تجر عليها غضب السلطات إلى أن تقرر نفيها خارج البلاد وتجريدها من جنسيتها. سنة 1956 قادها القدر بعد لجوئها للولايات المتحدة الأميركية إلى أن تصبح عضوا في المجموعة الغنائية الشهيرة «مانهاتن براذرز»، وهناك غيرت اسمها وأصبحت تدعى مريم بعد ان كان اسمها الحقيقي «أوزنزيل» الذي يعني «لا تلمن إلا نفسك».
مرجعية راديكالية
على الرغم من سطوة أصدقاء الفصل العنصري وجبروتهم، كانت مريم تظهر أمام الجمهور في كافة أرجاء المعمورة وتحولت إلى مرجعية راديكالية باسطة تقاليدها الخاصة والملابس التقليدية التي يرتديها الناس في وطنها الأم على طريقة فريدا كالو معطية بذلك العصب اللازم في عروضها الموسيقية الكبرى حيث طغى صوتها الحار وحضورها العظيم على الأدوات الإثنية التي كانت ترافقها، كما كان صوتها قويا رخيما وشجيا.
الملاحقة والقلق
كانت مريم ماكيبا في قلب الحركة التي عرفت باسم «بلاك برذرز» وظلت متزوجة لسنوات عديدة من زعيمها الأكثر شهرة ستوكلي كارمايكل، وكانت تلك السنوات سنوات اضطراب وقلق دائمين، عاشت خلالها الفنانة تحت الرقابة المشددة للبوليس السري التابع للنظام أو مكتب التحقيقات الفيدرالي «اف بي آي»، الذي أجبر، في نهاية المطاف وكجزء من مؤامرة لتفكيك الحركة، مريم وزوجها على نقل إقامتهما إلى كوناكري، حيث عاشت حتى أزفت ساعة عودتها إلى جنوب إفريقيا في العاشر من يونيو 1990 بعد إطلاق سراح نيلسون مانديلا، الذي عرض عليها في وقت لاحق المشاركة في حكومته.
باسل أبو حمدة

