«لا يكتمل الجمال دون قبح ما» هكذا أراد عبد المنعم عمايري التقديم لتجربته المسرحية الأخيرة « تكتيك» والتي انتهى عرضها منذ أيام على خشبة مسرح الحمراء في دمشق.
عمايري أراد في تقديمه للنص أن ينفي تهمة السوداوية عنه، فهو مدرك تماما لجمال الحياة ولكن ما المانع من البحث عن الوجه القبيح في حياتنا طالما أن إلقاء الضوء على الظلمة هو وحده القادر على تبديدها ؟
هكذا ودون مقدمات نجد أنفسنا في« تكتيك» أمام مكاشفة ساخرة بين زوجين يجهد كل منهما في تحميل الآخر مسؤولية هروب الابنة الوحيدة. الأب المتخم بالأفكار والنظريات، اليائس بعد أن رأى أحلامه تتحطم الواحدة تلو الأخرى على جدران الواقع، لا يجد هذا الأب ضيرا في تحميل المسؤولية كاملة للأم، كيف لا وقد هجرتهم قبل سنوات عديدة إلى باريس لتتركه وحيدا مع طفلة صغيرة كانت بأمس الحاجة لحنان الأم.
أما الأم فترى أن هروب ابنتها التي غدت شابة هو نتيجة حتمية لأب منسلخ عن واقعه، غارق في أوهامه ونظرياته، أليست هذه الأسباب هي نفسها التي دفعتها للهروب من قبل ؟ يمضي الأب والأم في رحلتهما للبحث عن الابنة الضائعة، بينما نمضي نحن لنتعرف على حربي الذي يدير ملهى ليليا، حربي الذي استفاد من سقوط المعسكر الاشتراكي أحسن استفادة، فتلقف فتياته وأسس مملكة الليل الخاصة به، مملكة فتح أبوابها فيما بعد لكل فتاة تاهت بها السبل وتقاذفتها الأمواج حتى وصلت إلى « شاطئ الأمان » شاطئ حربي. عند حربي نتعرف على بيسان الفلسطينية اللبنانية، الفتاة المنكسرة الضائعة، بعد أن شهدت بأم عينيها مجزرة صبرا وشاتيلا ونقابل عنده الابنة الضائعة كنزة التي وصلت إليه برفقة حبيبها نجاتي الهارب هو الآخر من ويلات قسوة الأب في أكثر تجلياتها سوداوية.
تمضي الشخصيات في « تكتيك» على غير هدى بحثا عن مستقبل مجهول، تمضي على خلفية شديدة السواد حيث يبدو مجرد التفكير بحياة آمنة وحالمة ضربا من الجنون والعبث. نجح عبد المنعم عمايري في إدارة ممثليه بشكل كبير، وبرز منهم فايز قزق ( أدى دور الأب شمسي ) خاصة وأنه كان يلعب في ملعبه الأثير ( المسرح ) كما نجح قاسم ملحو في الإمساك بشخصية أمير الليل حربي، على نحو ملفت للنظر، ويبدو أن تجربة إشراك الممثلين في كتابة أدوارهم على الخشبة أتت ثمارها مع ملحو ولا نغفل هنا عن ذكر يارا عيد القادمة من عالم المسرح الراقص والتي كانت بمثابة الصدى للشخصيات فتماهت معها بشكل كامل من خلال الجسد الذي أبدع في تجسيد انفعالاتهم.
عموما نجح أكثر الممثلين في أداء المطلوب منهم، ولكن غلب على أداء أسامة حلال ( أدى دور نجاتي حبيب الفتاة الهاربة كنزة ) بعض البرود فأسامة لم ينجح حتى الآن في كسر الحاجز بينه وبين المتلقي في لعبة يعد وجود هذا الحاجز فيها عائقا كبيرا. عمايري نجح في خلق نص ذي إيقاع سريع، ولكن عاب على النص تحميله مالا يحتمل من إسقاط لأحداث وأزمنة أصابته ببعض الوهن، كما أن جنوح عمايري نحو نظرية المؤامرة في تفسير المآل الذي آلت إليه الشخصيات فيه بعض السطحية من المعالجة. كان على النص أن يغوص أكثر في التفاصيل التي أودت بأبطاله إلى تلك المصائر، خاصة وأن الولوج إلى العالم القبيح كان خيارا تبناه عمايري بإرادته.
المسرح يتنفس
مسرحية « تكتيك» عرض مهم، سينوغرافيا ساحرة، ومخرج متمكن نجح إلى حد كبير في إدارة عناصر الفرجة المسرحية، وأثبتت أنه ما يزال هنالك مسرح في سوريا يتنفس وبقوة وأن هنالك جمهورا كبيرا ومتعطشا للمسرح ما إن يسمع عن عرض جيد في مكان ما حتى يسارع إليه.
المشاركون في المسرحية
« تكتيك » مسرحية تكتك لها عمايري طويلا فنجح في تكتيكه وهي من من تأليف وسينوغرافيا وإخراج عبد المنعم عمايري وتمثيل فايز قزق، قاسم ملحو، رغد مخلوف، أسامة حلال، نسرين فندي، لمى حكيم، راما عيسى، يارا عيد، وساهم في كتابة النص حكيم مرزوقي وديكور زهير العربي، والإضاءة لنصر الله سفر، ومساهمة صبري العتروس من تونس، وهندسة الصوت لعبود زيادة، والأزياء لظلال الجابي، وماكياج راما شرواني ولوحة الأفيش.
صلاح منصور
