كارلوس فونتيس أكثر من كاتب، إنه مؤسسة حقيقية للثقافة. عام 2008 الجاري له أهمية خاصة في تاريخه الشخصي كما في تاريخ أدب أميركا اللاتينية، ففيه تحل الذكرى الخمسون لظهور رواية «المنطقة الأكثر شفافية»، التي حركت المشهد الروائي العام وتحولت إلى عمل كلاسيكي من الطراز الأول.
كما احتفل فونتيس في 11 نوفمبر بعيد ميلاده ال80، مناسبة عادة ما يفضل عدم إيلائها أهمية كبيرة، لكنها كانت بمثابة الصاعق الذي فجر سلسلة من الفعاليات والحوارات وعروض كتب، والحفلات الموسيقية والأعمال المسرحية، التي تأخذ طابع التكريم الوطني لأعماله ومسيرته الإبداعية. يضاف إلى كل ذلك ظهور روايته الأخيرة «الإرادة والثروة» في المكسيك وبلدان أخرى في أميركا اللاتينية.
وهي رواية هائلة سواء لجهة حجمها أو بفعل الغرض المرجو منها والمتمثل في سرد جزء كبير من التاريخ المكسيكي من خلال قصص شخصية تخص العلاقة التي تجميع بين خوسيه نادال وخيريكو، علاقة أخوية ومثمرة في البداية على غرار علاقة كاستور وبول وكس لكنها تتحول في وقت لاحق إلى علاقة عنيفة ومدمرة على غرار علاقة قابيل وهابيل. أما الذي يروي القصة فهو رأس خوسيه المقطوعة القابعة على شاطئ المحيط الهادئ.
«الإرادة والثروة» رواية واسعة تقع في 556 صفحة بما فيها المقدمة والصفحة الأخيرة، وأساس هذه القصة هو أن إحدى الشخصيات الرئيسية، خوسيه نادال، الذي تقطع رأسه لتبقى عائمة في مياه المحيط الهادئ، تتجرأ على سرد ما حدث خلال السنوات الأخيرة في بلاد المكسيك أو في كنف لعبة روائية لأمة مكدرة بسبب موجة من العنف تبدو بلا مخرج.
لاشك بأن كارلوس فونتيس هو أحد كتاب عصرنا الذين تمكنوا من بناء عمل أدبي صلب ومتماسك وأنه أفضل العارفين بالبيئة التي تحيط بالمجتمع المكسيكي ومكامن الصراع على السلطة فيه، الأمر الذي مكنه من بناء إطار أخلاقي للدائرة الاتحادية في المكسيك كما هي عليه في يومنا هذا، لكنه يقوم بذلك انطلاقا من حسابات جديدة تتدرج صعودا بعد مرورها بالإطار الاستثنائي الذي مثلته رواية «المنطقة الأكثر شفافية»،
التي كتبها قبل 50 عاماً خلت ونجح من خلالها في تحليل مجتمع مدينة المكسيك ويستعرض فيها طيف من الشخصيات التي تغطي تماما خارطة الطبقات الاجتماعية التي كان لها دورها في تطور المدينة الكبيرة، في حين لا يزال هذا النص الأدبي صالحا للقراءة في أيامنا هذه والذي إن جمعناه مع الإصدار الجديد، نحصل على مشهد يغوص عميقا في أحجية ما هي عليه المكسيك في يومنا هذا.
رواية «الإرادة والثروة» نص مليء بالمفاجآت، إنه نوع من صندوق الدنيا تخرج منه الأسرار والضربات السفلى لتطفو على سطح الماء وكذلك السفالات والدناءات التي بمقدور الإنسان اقترافها بعيدا عن أي رتوش إضافية أو أي وعمليات للتجميل.
إنها رواية يتم فيها بحرارة تذكر وتكريم الكاتبة خولييتا كامبوس وذلك بالإشارة إلى نص لها يحمل عنوان «الموت في سبيل الماء» وهي أول رواية تكتبها هذه المؤلفة الراحلة، كما يعرج فوينتيس على عبارة وردت في رواية خوان كارلوس أونيتي «الوداعات»، رغم أنه لا يفصح ولا يحكي بشكل خاص عنه، كما يظهر كذلك فيدريكو روبيلس الشخصية الرئيسية في رواية «المنطقة الأكثر شفافية» كما يستخدم اسم ورد في عنوان آخر لأحد أعماله الأدبية وهو «موت آرتيميو كروز» وهو اسم الراوي الرئيسي في العمل الجديد الذي يميط اللثام فيه عن اعوجاج الثورة المكسيكية وكيف حل أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة محل القادة والحكام المستبدين.
إن إطار هذه الرواية الجديدة يفعل فعله بإيقاع سريع جدا مسبب للدوار مع لغة محددة ودقيقة وحرص شديد على كل كلمة ترد فيها وذلك بغية وضع القارئ أمام مقاربة لما هي عليه البلاد في الوقت الحالي. الرجل مقطوع الرأس يحيلنا إلى بحث ليس مشجعا كثيرا كتبه خوسيه ريفويلتاس «حول بروليتاري بلا رأس»، أي شخص يمسك بزمام المبادرة في هذا القطاع من المجتمع وحتى البلد كله. كما يقوم فونتيس في روايته الجديدة هذه بتكريم أغوستين يانيس من خلال سيل من السرد الشفاهي عندما يصف مدينته المكسيك بالقول إنها «المدينة ذات العينين الذابلتين والمطلية».
مع هذه الرواية الهائلة، يتخطى فونتيس كثيرا مؤلفين آخرين مثل خوسيه أغوستين وغوستافو ساينس وفيرناندو ديل باسو، اللذين تكلموا عن المدينة لكنهم تكلموا عنها من خلال أطر ضيقة تعكس واقع الأمكنة المحدودة التي كانوا يعيشون فيها والجاليات التي كانوا ينتمون إليها. في رواية فوينتيس الجديدة ثمة تحكم عظيم بمسار الشخصيات، بحيث يمكن للقارئ أن يتعرف على شخصيات كبيرة لها دورها في صيرورة تطور المجتمع المكسيكي على غرار غوستافو ألاتريستي، غوستافو ساينس، كارلوس سليم وآخرون يشكلون أو شكلوا جزءا من الدائرة الاتحادية، البعض منهم رحل عن الدنيا وآخرون هجروا الدائرة الاتحادية وغيرهم مكثوا هناك.
إنها لعبة ممتعة ومثيرة للاهتمام، لكنها تعكس في الوقت نفسه واقعا سحريا مصدره قلم المؤلف المولود في تلك الدائرة الاتحادية. شابان متعارضان هما المحور المركزي لتحليل وضع البلد في السنوات الأولى من القرن الـ 21 مع أن هناك من يعتقد أن نموذج الدائرة الاتحادية لم يعد يشكل مادة روائية.
الكاتب الأفضل
يعود كارلوس فونتيس برواية «الإرادة والثروة»، إلى تكريس نفسه على رأس أفضل الكتاب الذين تمكنوا بحكمة واقتدار من التعامل مع مجريات الأحداث في القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين.
مقتطف من رواية «الإرادة والثروة»
«ليلا، يتحد البحر والسماء وحتى الأرض تختلط مع الامتداد الشاسع المعتم الذي يلف كل شيء. ليس هناك فرجات. ليس هناك انقطاعات.ليس هناك فواصل. الليل التمثيل الأمثل لانعدام محدودية الكون. يحملنا على الاعتقاد بأنه لا شيء له بداية ولا شيء له نهاية، سيما إذا كانت النجوم غائبة عن السماء مثلما يحدث هذه الليلة».
فونتيس في سطور
* ترعرع الكاتب المكسيكي كارلوس فونتيس مرتحلا كونه ابن رجل دبلوماسي.
* أيام طفولته وشبابه عاش في سويسرا، الإكوادور، أوروغواي، البرازيل، تشيلي، الأرجنتين والولايات المتحدة.
* خلال فترة المراهقة، عاد إلى بلاده، التي صبغت أعماله بصورة نهائية.
* عام 1955، أسس مع إيمانويل كارابايو وأوكتافيو باز «المجلة الأدبية المكسيكية».
* عام 1960 استهل صداقة مع غابرييل غارسيا ماركيز، وهما يعتبران أبرز ممثلين لأدب أميركا اللاتينية، إلى جانب ماريو فارغاس يوسا وخوليو كورتازار، الذي كان يزوره فونتيس باستمرار أثناء سنوات إقامته في باريس.
* من بين أبرز أعماله «المنطقة ألأكثر شفافية» 1958، «موت أرتيميو كروز» 1962، «آورا» 1962، «منطقة مقدسة» 1967، «أرضنا» 1075، «مياه محروقة» 1981، «الغرينغو العجوز» 1985، «كرسي الصقر» 2003.
* في عام 1987 حصل على جائزة «سيرفانتيس» وفي عام 1994 على جائزة «أمير أستورياس».
باسل أبو حمدة

