لم يكن اللقاء سهلاً بمحمد صالح القرق، لأنه ببساطة قليل الكلام وكثير التأمل، وهي عقبة أمام المحاور، ولكن الحديث عن عمر الخيّام فتح شهيّته للحديث والغوص في ذكرياته بعيداً في سنوات صباه عندما داعبته فكرة ترجمة رباعيات الخيّام، حيث أسس مكتبة خاصة لها في معظم لغات العالم، مقلباً صفحات قصائده قرابة تسع سنوات، أمضاها في ترجمة ومقارنة قصائد الخيّام وباحثاً عن نقاط القوة والضعف في الاثنين وعشرين ترجمة التي سبقته، مازجاً بين مهارته في نظم الشعر وإبداعه في ترجمة شعر الخيّام. وفيما يلي نص الحوار:

ترجمتك لرباعيات الخيام هي الثالثة والعشرين من بين الترجمات التي تعرضت لهذا العمل؟

لقد نوهت عن ذلك وكما تجد ذلك في مقدمة الكتاب.. لذلك حرصت على تثبيت أسماء وصورة المترجمين الذين سبقوني في ترجمة هذا العمل. وهذا عمل لم يسبق لأي مترجم أن عمله من قبل أبداً. بعضهم قام بعمل تجاري لا أكثر ولا أقل. وحرصت أن أطبع هذه الترجمة طباعة فاخرة تتناسب مع عمل الخيام الإبداعي. وقد بذلت جهداً كبيراً في الحصول على هذه الصور والمراجع وهو عمل أرشيفي.

هل اطلعت على الترجمات كلها؟

نعم وجميع الترجمات تقريباً موجودة عندي.

ما الذي لاحظته في هذه الترجمات أو ما الذي دفعك أن تقوم بترجمة جديدة؟

كانت لدي هواية في رباعيات الخيام منذ صغري. وشدتني وأنا صغير وكنت قد قمت بمحاولات ومقارنات بين الترجمات في ثلاثين حلقة نشرتها في مجلة الشروق، على سبيل المثال، ماذا قال رامي والصافي النجفي وماذا قال المترجمون الآخرون؟ وفي الآخر ماذا قلت أنا؟

وما هي أفضل ترجمة في نظرك؟

إنها ترجمة عبد الحق فاضل لأنه رجل أديب، ومثقف، وكان سفير العراق في طهران، وموسكو ومناطق أخرى. وهي أطول ترجمة وأجملها. بعدها تأتي ترجمة الصافي النجفي.

وأحمد رامي؟

قام بترجمتها غنائياً، قامت أم كلثوم بانشادها. على سبيل المثال، يقول المترجم «سمعت صوتاً ساحراً نادى من الغيب» بينما هي ليست من الغيب بل من الحانة.. اضطر المترجم لتغييرها وربما لضرورات معينة. هذا مثال بسيط وهناك أمثلة أخرى لكن ترجمتي تحتوي على جميع الكلمات الواردة في النص الأصلي. بينما سعى كثير من المترجمين إلى إهمال كلمات والإتيان بكلمات من عندهم. بينما حرصت أن أترجم جميع الكلمات الواردة في النص الشعر الأصلي دون الإخلال بالمعنى، حافظت على روحية النص.

ما هو رأيك بالمثل الشائع «الترجمة خيانة»؟

على الأقل إنها خيانة جميلة. ولكل رأيه وذائقته بطبيعة الحال.

هل يجب أن يكون المترجم شاعراً كي يقوم بفعل الترجمة؟

طبعاً لكي يترجم شعراً يجب أن يكن شاعراً، وإذا ترجم نثراً يجب أن يكون كاتباً.

هل الالتزام بالوزن والقافية في الترجمة مهمة صعبة؟

نعم. وهذا يقتضي جهداً كبيراً لأن الصياغة تتم شعراً وليس ترجمة حرفية، والترجمة الحرفية هي من أسوأ ما يمكن أن يقوم به المترجم.

لماذا أضفت الترجمة الانجليزية والفرنسية إلى النص؟

لكي تكون لها قابلية القراءة في الغرب. ونلاحظ أن الكثيرين في الغرب ركزوا على ترجمة فيتزجرالد، بينما أوردت ترجمات لمترجمين غربيين آخرين. وقد نوّعت الترجمة مما جعلني أن أبذل جهوداً كبيرة في العثور على هذه الترجمات. إنها معاناة طويلة عريضة.. عملية بحث في المكتبات. لقد أمضيت تسع سنوات أو أكثر في ترجمة هذا العمل. أحياناً لا أجد الترجمة الانكليزية ويجب أن أبحث عليها. وذلك يستغرق وقتاً طويلاً. ولم أعثر على ترجمة رباعية الوردة على سبيل المثال إلى أن وقع نظري على كتاب جديد صادر في أمريكا على الانترنيت، فطلبته على الفور، وإذا بي أجد ترجمة هذه الرباعية، فضمنته في كتابي، وأكملت بها النص.

هل تعتبر نفسك مترجماً أم شاعراً؟

لست مترجماً ولم أترجم سوى رباعيات الخيام. وهذه الترجمة أخذت مني مجهوداً كبيراً. ويتطلب ذلك إخلاصا ووفاءً للنص. منذ سنواتي الأولى، فكرت بترجمة الرباعيات. كان يزورنا صديق لأبي عالم كبير ومطلع على اللغة العربية، شاعر وأديب، وكان صوته جميلاً وكان يترنم بالرباعيات، فاستهواني صوته الجميل هذا، وكلماته، فصرت أردد الكلمات. وحفظت أشياء كثيرة. ثم صرت أقلد هذا الشعر، بعد ذلك استهوتني الترجمة.

كنت أتمرن على ترجمتها منذ كان عمري عشرين عاماً، وبدأت أجمع الترجمات الأخرى. في مكتبتي جناح كامل فقط للخياّم، بجميع اللغات الروسي والفرنسي والصيني.

ومتى بدأت كتابة الشعر؟

في الخامسة والعشرين أيضاً. كنت أحفظ الكثير من الشعر العربي ولا زلت أحفظ الكثير. كما أنني أحفظ الأمثال كاملة وليست مجزأة كما يفعل الآخرون، أي أحفظ ما قبل المثل وما بعده.. « وربما صحت الأجساد بالألم» ماذا يوجد قبلها ؟ لعل هجرك محمود عواقبه». وهناك مثل يقول: «ليتني مت قبل يوم فراقي «ويوجد قبله» إن يوم الفراق أصعب يوماً». «وكل قرين بالمقارن يقتدي». ما هو قبلها؟ «عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه». وهلم جرا. ولدي مشروع لجمع هذه الأمثال كاملة، ما قبله وما بعده. عندي قرابة ألف مثل وأسعى إلى جمع عشرة آلاف مثل إذا أمكن لغرض نشرها في كتاب.

هل لديك ديوان شعري جديد وما هو مفهومك للشعر؟

لدي خزين من الكتابات الشعرية لكني لم أجمعها بعد في ديوان. أسعى لجمعها الآن. لم أصدر ديواناً من قبل لكني أنشر شعري في الصحف والمجلات. وشعري هو من الموزون والمقفى، لا أحب الشعر الذي يسمى نثراً.. الجيد منه وليس كله، يمكن أن نطلق عليه النثر الفني. وكما يقول العقاد:« والشعر من نفس الرحمن مقتبس، والشاعر الفذ بين الناس رحمن».

على الجارم يقول: «ليس في الشعر كلام بين بين».

كيف يمكن لك أن تجمع بين الأعمال وبين الأدب، في العادة معظم رجال الأعمال لا علاقة لهم بالأدب؟

تجد في رجال الأعمال ربما نفر قليل يهتم بالأدب وذلك يعود إلى أن الأعمال لا تتيح لهم فرصة التفكير بشيء آخر، يفكرون على الدوام بالصفقات والمال. أما الأدب فيحتاج إلى تفكير، وقراءة، وتأمل، وهدوء، وسكينة، لا يريد ضوضاء وتشويش فكري. تعلمت تعلماً ذاتياً حيث لم تكن المدارس متوفرة في دبي آنذاك، فكنت أذهب إلى الكتاتيب.

إنني لم أذهب إلى الخارج ولم أحصل على دراسات عليا بل عملت نفسي تعليماً ذاتياً. تتوفر عندي القابلية والهواية ولديّ مكتبة كبيرة تضم 8 آلاف كتاب. كان والدي يهوى الأدب، وله مكتبة كبيرة على قدر تلك الأيام تحتوي على المستطرق، كليلة ودمنة، تاج العروس.. والأغاني وغيرها من الكتب التراثية، فكنت أطلع عليها، وأجد فيها حكايات عجيبة وغريبة. وكان ليّ استعداد لتذّوق الأدب. وكنت أسافر إلى مصر وأطلع على المكتبات وأحضر الندوات الأدبية والفكرية التي كانت على مستوى كبير، يحييها كبار الأدباء والمفكرين. وزرت معظم الأدباء المفكرين أمثال: نجيب محفوظ، أنور الجندي، حسين نصار، مصطفى محمود، وكثيرين غيرهم.

كيف تعلمت الفارسية؟

تعلمتها كما تعلمت الهندية من خلال الاحتكاك والكلام والمناقشة.

هل لديك نية للترجمة من اللغة الهندية؟

«يضحك» .. كلا.. لا أجيدها كتابة بل كلاماً فقط.

رحلة حافلة بالانجازات

إنه غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام المعروف بـ عمر الخيام (1040-1131م) فارسي، ولد في نيسابور ما بين 1038 و1048، وتوفي فيها ما بين 1123 و1124م. فيلسوف وشاعر فارسي وتخصص في الرياضيات، والفلك، واللغة، والفقه، والتاريخ، حتى لقب ب«حجة الحق» والحكيم والإمام والدستور.

والخيّام هو لقب والده، حيث كان يعمل في صنع الخيام، وهو صاحب رباعيات الخيام المشهورة. كان أثناء صباه يدرس مع صديقين حميمين، وتعاهد ثلاثتهم على أن يساعد من يؤاتيه الحظ الآخرين، وهذا ماكان. فلما أصبح صديقه نظام الملك «وزيراً للسلطان «ألب أرسلان»، ثم لحفيده «ملكشاه»، خصص له راتباً سنوياً مئتين وألف مثقال يتقاضاها من بيت المال كل عام، من خزينة نيسابور فضمن له العيش في رفاهية مما ساعده على التفرغ للبحث والدراسة.

التعلم في الكتاتيب

يقول محمد صالح القرق تعلمت تعلماً ذاتياً حيث لم تكن المدارس متوفرة في دبي آنذاك، فكنت أذهب إلى الكتاتيب. إنني لم أذهب إلى الخارج ولم أحصل على دراسات عليا بل علمت نفسي تعليماً ذاتياً. تتوفر عندي القابلية والهواية ولديّ مكتبة كبيرة تضم 8 آلاف كتاب. كان والدي يهوى الأدب، وله مكتبة كبيرة على قدر تلك الأيام تحتوي على المستطرف، كليلة ودمنة، تاج العروس..

والأغاني وغيرها من الكتب التراثية، فكنت أطلع عليها، وأجد فيها حكايات عجيبة وغريبة. وكان ليّ استعداد لتذّوق الأدب. وكنت أسافر إلى مصر وأطلع على المكتبات وأحضر الندوات الأدبية والفكرية التي كانت على مستوى كبير، يحييها كبار الأدباء والمفكرين. وزرت معظم الأدباء المفكرين أمثال: نجيب محفوظ، أنور الجندي، حسين نصار، مصطفى محمود، وكثيرين غيرهم.

القرق في سطور

* ولد محمد صالح القرق في مدينة دبي عام 1936.

* درس في مدرستي «الفالح» و« الأحمدية»، وهما المدرستان الرائدتان في دبي حينئذ. كان منذ صغره ـ مولعاً بالأدب والثقافة، ونهل من معين الكتب التي كانت تحتويها مكتبة والده.

* تدرج في وظائف رسمية لسنوات عدة، ثم اعتزل الوظيفة، وتفرغ لأعماله التجارية الخاصة، ولهواياته الأدبية والثقافية.

* يجيد اللغات الانجليزية والفارسية والأردية علاوة على لغته العربية.

* لم ينشر لحد الآن ديواناً شعرياً بل نشر معظم شعره في الصحف والمجلات. مقارنات للترجمات الشعرية والنثرية لرباعيات عمر الخيام، أورد فيها كثيراً من الترجمات العربية والانجليزية مع إيراد النص الفارسي، ونشرت هذه المقارنات في ثلاثين حلقة في مجلة « الشروق» الإماراتية. وله معارضات شعرية لـ « سينية البحتري، ونونية ابن زيدون، ولامية الحصري القيرواني.

* كان له باب أسبوعي ثابت في مجلة الرياضة والشباب بعنوان «غيض من فيض» يحتوي على باقة من الشعر والحكم ولأمثال والطرائف والنكت الأدبية والعلمية

شاكر نوري