بكل الحب للنهر.. وبكلمات هي السهل الممتنع، تغنى الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب بهذه الأبيات التي كتبها بعذوبة الشاعر وبإحساسه المرهف وبحبه الكبير لنهر النيل أحمد شوقي.

نعم.. يستحق منا الكثير.. نهر النيل شريان الحياة لمصر وكل البلاد التي يخترق أرضها فيكون كل الخير والجمال والأصالة.. لنهر شاهد على كل العصور. لو نظرت لمعصمك لوجدت وريدك الأزرق قريب الشبه إلى تفرعات دلتا نهر النيل عند مصبه في البحر المتوسط، ثم أيضاً أقرب الشبه في تعرجاته إلى القلب، حتى منبعه في أثيوبيا عند بحيرة فيكتوريا.. فلا عجب أن يكون نهر النيل هو شريان الحياة ووريدها النابض لمصر.. للإنسان. رحلتنا مع النيل.. رحلة المحب له.. وعاشقة.. فما هو النهر.. إنه حكاية شعب بكل تفاصيل حياته الاجتماعية والاقتصادية والفنية أيضاً.

معه وعلى صفحة مياهه الشاهدة على تاريخ طويل نبدأ.. نهر النيل هو أطول أنهار العالم، يبلغ طوله 6738 كيلومتراً ، يجري بكل الحب في أرض الكنانة.. مصر لمسافة 1532 كيلومتراً، واتخذ النيل شكله الحالي في نهاية العصر الحجري القديم أي منذ مائة ألف عام تقريبا ونتيجة لهطول الأمطار على هضبة الحبشة يصل الفيضان سنوياً إلى مصر، حاملاً معه الطمي الذي منه تكون الوادي والدلتا. وقصة حب النهر تبدأ عند المصريين القدماء.. الفراعنة منذ سبعة آلاف عام.. كان عشقهم للنهر كبيراً، قالوا فيه قصائد حب وكلمات مديح منها قصيدة فرعونية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد تقول: »حمدا لك أيها النيل! الذي يتفجر من باطن الأرض.. فيكون الخير ويكون الجمال ثم يجري ليغذي مصر«.

هكذا قالوا فيه.. وهكذا تغنوا به وله. وقد أطلق الفراعنة قديما على النيل اسم «إبترعا»، أي النهر العظيم، ومن هذا اللفظ المصري القديم، اشتقت كلمة «الترعة»، أما لفظ كلمة «النيل» فأصلة فرعوني قديم بمعنى «الأزرق المقدس». واحتفالات جميع المصريين القدماء بالنهر الخالد كثيرة، فكانت تقام احتفالات الفيضان، والتي قبلها يلقون «بعروس النيل» حتى يفيض النهر من حبه لها، وهي مجرد قصة فرعونية خيالية، يرمون في النهر دمية على شكل سيدة فرعونية متزينة بأجمل الزينة والملابس يقذفون بها من فوق مركب عملاق مزدان بالزهور، وسط الموسيقى والغناء والحب.

وكانوا كل عام يحتفلون بيوم شم النسيم، وهو عين فرعوني مصري قديم ـ ما زال يحتفل به حتى الآن في مصر، وكان القدماء يعتبرونه بداية فصل الصيف، ولم تختلف شكل الاحتفالية بشم النسيم منذ الفراعنة وحتى اليوم في مصر، فيخرج الناس على ضفاف النهر حاملين معهم البيض الملون وغالباً ما كان يأكله الفراعنة باللون الأزرق لإبعاد الشر والحسد، ومعه يأكل المصريون حتى الآن نبات «الملانة» وهي نبتة خضراء تشبه الترمس، ويأكلون الفسيخ والسمك المجفف، ويركبون المراكب الشراعية ويغنون للنهر، ويزغردون ويصفقون، وهم يرتدون الملابس الملونة، هكذا هو الاحتفال بشم النسيم ذلك العيد الفرعوني القديم الذي ما زال الاحتفال به في مصر حتى الآن.

ولكن لابد من أن يفرض التحديث حضوره القوي، فاليوم نرى الفنادق العملاقة «سبع نجوم» تشق مياه النهر في أناقة وجمال، تبحر من القناطر الخيرية وحتى ضاحية المعادي بمصر، عليها يحتفل النخبة المصرية بيوم شم النسيم وسط غناء رائع وموسيقى على آلة «الهارب» ذات الأصل الفرعوني القديم، ويشارك في هذا الاحتفال كبار نجوم ومغنين مصر والعالم العربي وسط كل ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية والحديثة في شكل «أوبن بوفيه» على أرقى مستوى.

ومن أجمل تقاليد الاحتفال بشم النسيم عند الفراعنة وحتى اليوم في مصر، التزين بقيود الياسمين الطبيعي ذات الرائحة النفاذة، وكلمة »ياسمين« ترجع للاسم الفرعوني القديم «ياسمون» بمعنى عطر الطبيعة الذي معه يبدأ الربيع والصيف، وكان الفراعنة يستخرجون من زهور الياسمين أو «الياسمون» في الربيع زيت البخور الذي يقدم للنخبة عند الاحتفال بشم النسيم.

وليست من قبيل الصدفة أن تطرح كبريات شركات العطور العالمية عطر خاص برائحة الياسمين يحمل أكبر اسم في عالم العطور في عصرنا الحديث، وهو عطر من زيت الياسمين المركز، يباع بأغلى ثمن في عاصمة النور والجمالي في باريس. وعندما يقام المعارض الخاصة بالعطور في فرنسا، يوضع بجوار عطر الياسمين مجسم لفرعون يحمل زهور الياسمين، وهو يلفت أنظار رواد المعرض بقوة وحب استطلاع.

وما زلنا في رحلتنا مع النهر.. فالكلام والحكاوي عنه ومعه لا تنتهي، فهو شاهد على كل العصور، وأيضا شهد العديد من الأفراح وليالي الملاح، فكبريات الفنادق الفخمة المطلة على النهر تقام فيها الأفراح، وتزف العروس من كورنيش النيل المقابل للفندق وسط الزغاريد وزهور الياسمين والزمبق والقرنفل وتحمل في يدها باقة زهور طبيعية، تتهادى العروس في خجل وخيلاء حتى أعقاب الفندق ليسلمها والدها لعريسها وسط دقات الدفوف والطبول وأغاني الفرح مثل «دقوا المزاهر» و«إتمختري يا حلوة.. يا زينة»، فالنهر شاهد على الزفاف وعلى الفرحة معاً.

وللريف المصري حكايات مع النيل تبدأ ولا تنتهي، فهو شريان الحياة فيه، يسقي الأراضي المزروعة بالخير ويشهد على مواسم الحصاد، فيه يحتفل الأهل بالزفاف ويشهد إطلاق الأعيرة النارية فرحاً وابتهاجاً، وعلى ضفافه تنبت شجرة عملاقة تعرف باسم «أم الشعور»، فأوراقها تشبه الشعر المتدلي في النهر وكأنها تستحم وتتبارك بمياهه النابضة بالحب والحياة، وربما يسمي جميع الفلاحين نباتهم أحيانا باسم «أم الشعور» تبركا بهذه الشجرة العملاقة الجميلة جمال طبيعي رائع ينطلق بإبداع الخلق.

ولأن النهر يضرب في أعماق مصر على كل المستويات فهو يتحكم إلى حد كبير في الاقتصاد المصري فالزراعة هي عماد هذا الاقتصاد العريق، وللسياحة أكبر الأثر في الاقتصاد، ويلعب النهر دوره الفعال في الاقتصاد السياحي والاجتماعي، وأيضا للفن دوره الكبير مع النيل.

معه تمايل الناي الحزين تحت شجرة أم الشعور، فكانت أحلى الألحان، وانفرد الناي ضمن تخت كوكب الشرق أم كلثوم في إبداعها لأغنية «شمس الأصيل»، فهي تعكس جماليات الغروب عندما تغطس الشمس في المغربية وراء خط الأفق مع مياه النيل، وكانت معزوفة «النهر الخالد» للموسيقار محمد عبدالوهاب تعكس الحب والتأثر بالنهر الشاهد على تاريخ كل العصور في صمت وكبرياء.

وللفن مع النهر قصص تحكي من أهمها رائعة الكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ »ثرثرة فوق النيل« تحولت لفيلم يعتبر من كلاسيكيات السينما المصرية، وهو من بطولة عماد حمدي وميرفت أمين وأحمد رمزي، وكوكبة كبيرة من الفنانين، تدور أحداثه في عوامة تأخذ سكانها على سطح مياه النهر، وتعكس المتغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر في فترة حراك سياسي واجتماعي واقتصادي عالٍ.

أما فيلم «المراكبي»، وهو أيضا من كلاسيكيات السينما المصرية من بطولة صلاح السعدني ومعالي زايد، يحكي قصة أسرة فقيرة لا حظ لها في التعليم تتخذ من مركب صغير فوق مياه النيل قرب ضاحية المعادي، تأخذ منها منزلاً لها، على السمك البلطي تعيش وتحيا، والسمك البلطي من أجود أنواع السمك النهري، ترمي الشباك في الفجر، وتخرج بحصاد النهر وخيره، والفيلم يعكس الآثار الجانبية السيئة للأمية في الطبقة الفقيرة بمصر، وما تعانيه وتكتشفه من مظاهر لم تكن تخطر على بالها، فكل حياتها المركب والنهر والسمك البلطي ففي اللون.

»صراع في النيل»، أيضا من أروع النتاج السينمائي المصري فيلم من بطولة الفنان العالمي عمر الشريف وهند رستم وفتى الشاشة الأول وقتذاك رشدي أباظة، يحكي قصة التجارة باستخدام النيل، فالفيلم ينقل تجار الفخار المصري من الصعيد «الجواني» للبندر، أحداث وأغانٍ فولكلورية تعالت فوق صفحة النيل عبر رحلة تجارية طويلة. »الذهبيات»، هي العوامات الفاخرة والفخمة التي كانت تقتنيها الأسر البرجوازية في مصر لقضاء أوقات جميلة في مناسبات الأعياد وليال رمضان.

وكانت تسمى بأسماء رائعة مثل «فرعون النيل» وهي إحدى الذهبيات التي كانت ملكا لأسرة إقطاعية، هجرتها لتستولي عليها شركة من شركات السياحة مقابل مبلغ كبير لهذه الأسرة. أيضا ذهبية كان يمتلكها الملك فاروق يقضي فيها أوقات مع أصدقائه ورجال القصر، وتعرف باسم «الذهبية«. الأوتوبيس النهري.. مظهر حديث يرجع لما قبل السبعينات من القرن الماضي، يقدم خدمة مواصلات عائمة ينقل بصفة خاصة طلبة جامعة القاهرة، وركاب آخرين، تم فيه تصوير فيلم من بطولة محمود عبدالعزيز وعبلة كامل.

أيضا شهد الأوتوبيس النهري مشهداً من أجمل مشاهد فيلم «خلي بالك من زوزو» بطولة سندريللا الشاشة سعاد حسني ودون جوان السينما العربية والمصرية حسين فهمي في مشهد رومانسي يعكس براعة التمثيل والحوار وحضور رائعة لكلمات «عم صلاح جاهين«. ويفيض النهر حضور للرومانسية على ضفتيه فنجد عشاق النهر وليل القاهرة الساحر الذي ينعكس أضواء على صفحة النهر صافية رائعة، وعلى الكورنيش بائعو الذرة المشوي والمثلجات والآيس كريم وشطائر الجبن وساندويتشات الفول والفلافل.

أما جماليات الفجر قبيل الشروق تتجلى على صفحة النهر وكأن يوم جديد يشق ظلام الليل بحضور وطموح لكل من يعيشون على ضفتي النهر، أما الغروب فيترك بصمة أرجوانية فيما بين خط الأفق والنهر واعداً بغد جميل.

تربط أحياء القاهرة المختلفة كباري تعكس تحفاً معمارية فوق النهر، من أجملها كوبري قصر النيل الذي يبدأ بتمثالين لأسدين منحوتين من البرونز الخالص، شهدوا جميعا مع النهر عصورا مختلفة لمصر، وكوبري «أبو العلا» الذي يربط بين حي الزمالك الراقي وحي بولاق العريق الذي يتجمع فيه شهامة «أولاد البلد».. كوبري الجامعة من أشهر كباري مصر أيضا، وكوبري 6 أكتوبر مساحة من الاتساع ترتفع في شموخ فوق النيل تربط العديد من أحياء القاهرة بعضها ببعض تشهد زمن الازدحام والسرعة.

مقاهٍ تطل على النهر، من أشهرها كازينو النيل الذي كان من الأماكن المفضلة لنجيب محفوظ وحرافيشه في لقاءات أدبية واجتماعية أفرزت أحلى أعمال كاتبنا العالمي والكلام عن النيل لا ينتهي.. فما أجمل ما قاله أحمد شوقي شاعر النيل عندما قال:

«وقفت أنادي الفلايكي.. تعالى من فضلك خدنا

رد الفلايكي بصوت ملايكي.. مرحبا بكم مرحبتين

دي ستنا وانت سيدنا

جت الفلوكه والملاح.. ونزلنا وركبنا

حمامة بيضة تفرد جناحها.. تودينا وتجبنا

ودارت الألحان والراح.. وسمعنا وشربنا»

شم النسيم

من أجمل تقاليد الاحتفال بشم النسيم عند الفراعنة وحتى اليوم في مصر، التزين بقيود الياسمين الطبيعي ذات الرائحة النفاذة، وكلمة «ياسمين» ترجع للاسم الفرعوني القديم «ياسمون» بمعنى عطر الطبيعة الذي معه يبدأ الربيع والصيف، وكان الفراعنة يستخرجون من زهور الياسمين أو «الياسمون» في الربيع زيت البخور الذي يقدم للنخبة عند الاحتفال بشم النسيم.

قصر النيل

بدأ كوبري قصر النيل في التشييد بناء على أمر عال في العام 1869، وهو العام الذي شهد دخول مصر عصر بناء الكباري المختلفة بها، حين عهدت السيدة الفرنسية »فيف ليل« بتكلفة مالية قدرها 2 مليون فرنك فرنسي، وصدر الأمر من الخديوي توفيق بالبدء في تشييد كوبري قصر النيل الذي يعكس جماليات العمارة الأوروبية وقتذاك. وقد قام الخديوي توفيق بتمويل الكوبري أيضا في خطة للحكومة وقتذاك.

وترجع تسمية الكوبري بهذا الاسم لوجود «قصر» نازلي هانم في جاردن سيتي على النيل وهي من الأحياء الارستقراطية حتى الآن في مصر. ونازلي هانم كانت مولعة بجماليات المعمار الأوروبي. سمى الكوبري على اسم »قصر النيل« نسبة لقصر نازلي هانم. والأسود الأربعة عند مدخل ومخرج الكوبري تعكس المهابة وجماليات المعمار الأوروبي وقتذاك. وقد تم نحت الأسود في إيطاليا.

نورس النيل

تشهد المسلات الفرعونية في أسوان والأقصر مشاهد صيد أسماك البلطي من نهر النيل بالشباك منقوشة بفنية متفردة أيضا على المقابر الفرعونية في المتاحف المفتوحة في أسوان والأقصر. أيضا يُشاهد على هذه المسلات صيد طائر نورس النيل، وكان يعرف عند الفراعنة بالنورس الحزين لانخفاض صوته عندما ينادي على رفيقته في موسم التزاوج، ويستخدم حالياً اسم »نورس النيل« في أسماء البواخر الفندقية العائمة في النيل وهي من فئة فنادق السبع نجوم.

«النيل نجاشي حليوة أسمر.. عجب للونه دهب ومرمر

أرغوله في أيده يسبح لسيده .. حياة بلادنا يا رب زيده

قالت غرامي في فلوكه .. وساعة نزهة ع الميه

لمحت ع البعد حمامة .. رايحة على المية وجايه»

منى مدكور