منذ نحو نصف قرن زحمت الشوكولاتة بيوتنا، طاردة بدكنتها ألوان الفواكه البديعة من تفاح وبرتقال وموز ورمان، لتحلّ بأبّهتها الذهبية فوق طاولات غرف الضيوف، فهي اقتصادية وخفيفة ولطيفة تناسب فنجان القهوة، قد يتساءل المرء عن سبب إقبال الشعوب على تناول الشوكولاتة في أشكالها المختلفة كقطع أو كسائل يشرب، أو تكون مخلوطة مع الكعك والمعجنات، وما هو سرّ هذه العلاقة الكبيرة بينها وبين النساء والفتيات.
وعن سرّ تلك المتعة التي يشعرن بها بعد التهامها، وهل تبعث على الراحة النفسية كما تقول بعض المصادر، أم أن مادة الكافيين التي تحتويها تدفع نحو شكل من أشكال الإدمان، باعتبارها تحقق النشوة واللذة، أو الراحة والهدوء كما يشاع؟! وهل فعلاً تحمي الشوكولاتة القلب وشرايينه كما تذهب بعض الأخبار العلمية، ثمّ ماذا عن السكريات التي تحتويها، أليست ضارة لأولئك الذين يعانون من ارتفاع السكر، أو من الكوليسترول وغيره؟
ثمّ لماذا اعتبرت الشوكولاتة من مستلزمات الضيافة في كلّ بيت؟ وهدية مناسبة في الأفراح والأعياد، بل حتى للمرضى في المستشفيات؟
وهل لذلك علاقة بما أشيع عن دورها الرومانسي في الجمع بين الأحبة؟!
منذ نحو نصف قرن زحمت الشوكولاتة بيوتنا، طاردة بدكنتها ألوان الفواكه البديعة من تفاح وبرتقال وموز ورمان، لتحلّ بأبّهتها الذهبية فوق طاولات غرف الضيوف، فهي اقتصادية وخفيفة ولطيفة تناسب فنجان القهوة، ولن تحتاج سيدة المنزل إلى تقديم صحون الضيافة المتنوعة وكؤوس الشراب المختلفة، بل وأنواع المربيات التي تقدّم كضيافة من مثل: مربّى الكبّاد والقرع والباذنجان التي اعتدنا تقديمها إلى جانب أصناف الحلويات الأخرى في المناسبات.
لا أحد يستطيع أن يقدّم رأياً حاسماً في سرعة انتشار الشوكولاتة في بلادنا والبلاد الأخرى، سوى أن النساء، صانعات الحضارة، عشقنها، ومن ثمّ فرضنها بتأثيرهنّ وجاذبيتهنّ، أو بتفكيرهنّ الاقتصادي الساعي إلى تخفيف أعباء المنزل عليهنّ. ولكن الأمر لن يتحدد في الجانب الاقتصادي أو في تخفيف الأعباء، فالسيدات ربّما يمضين الساعات في تحضير وجبة ذات نكهة خاصّة طالما وبصرف النظر عن الاقتصاد، ومن هنا فإن البعض يرى أن ثمة سحرية وشاعرية غامضة في الشوكولاتة، فبعض خواصها يصادق القلب فينعشه بالعناصر المانعة للتخثّر، غير أن بعض خواصها الأخرى ستساعد على الانشراح والسعادة فتبعد الاكتئاب والتوتر، فأين يتجلّى كلّ ذلك؟
أظنّ أن الهدية ستأتي في المقدمة، فهي رسول للمناسبة السعيدة، وليس ثمة أجمل وأزهى وأرق من علبة شوكولاتة بأشكالها وألوانها المختلفة التي صممها فنان حقيقي، تمارس دور الرسول المعبّر عن مودات كثيرة: فالمحبّون يتبادلون الشوكولاتة والأطفال أكثر ما يسعدون بها، وطالما أنها تجلب السعادة فلا بدّ أنها تنتمي إلى حيّز الخير. قديماً كانت أمهاتنا يكافئننا بقطعة من الشوكولاتة، وكنا نأكلها مسرورين، ثمّ نعيد بسط أوراقها الملونة ونضعها بين صفحات الكتاب لتنام هانئة قرب الكلام الجميل، فيضاف جمال الى جمال، وتبقى تلك الأغلفة كذكرى لطيفة لطعوم الطفولة الساحرة.
ذات مرة عاد أحد أصدقائي من سويسرا، وقدّم لي علبة من الشوكولاتة السويسرية فغمرتني تلك السعادة الكامنة في اللاوعي البعيد من أيام الطفولة، وقد آثرت أن أتركها دون فتح كصمدية في المكتبة كي تعيدني إلى الذكرى، وكي لا أخرّب ذلك التكوين البديع الذي صممه فنان مدهش، تماماً كتلك الحال التي انتابتني لدى مشاهدة فيلم «شوكولاتة» وتلك المرأة الشجاعة التي واجهت مجتمعاً مغلقاً بحلواها الرائعة التي لم يتمكّن من مقاومتها في النهاية حتى رئيس المعارضين. باختصار إنها لحظات من السعادة لا توصف، وهي بلا شكّ تولّد مشاعر راقية، فكيف إذا رافق ذلك موسيقا هادئة وشموع؟
مساء الخير أيتها الرومانسية
عزت عمر
