تعتبر الروائية وكاتبة السيناريو الأميركية جوديث غيست من الأدباء الذين حققوا شهرة واسعة مع نشر أول رواية لهم، علما أن الكتابة كانت جزء من عالمها منذ الطفولة. ومن أسباب نجاحها الأدبي هو قدرتها في الدخول إلى عمق الشخصيات ومهارتها في التحليل النفسي لكثير من مآسي الحياة في إطار العائلة من البالغين واليافعين.

ولدت جوديث في ديترويت ميتشيغان في 29 مارس 1936 وعاشت طفولتها في ذات المدينة، وتخرجت من جامعة ميتشيغان وحصلت على بكالوريس في اللغة الانجليزية وعلم النفس عام 1958. وتزوجت من زميلها في الدراسة بعد تخرجها مباشرة وبدأت بتدريس صفوف المرحلة الابتدائية وأنجبت ابنها الأول في العام الأول من زواجها. واستمرت في التدريس وأنجبت مجددا طفلين حتى عام 1970. في الثلاثينات من عمرها بدأت مرحلة جديدة، حيث كتبت قصة وأرسلتها إلى مسابقة محلية. وكان لفوزها بجائزة تمثلت بإهدائها كتاب «طريقة واحدة لكتابة الرواية» لريتشارد بير، حافزا للاستمرار.

وأدركت بعد قراءتها للكتاب أنها تعرف كل ماورد فيه، وهكذا بدأت التفكير بكتابة روايتها. تطلب منها اتخاذ القرار ثلاث سنوات تركت بعدها التدريس وركزت على إنجاز عملها حتى النهاية، وكان أهم قرار اتخذته في حياتها. وحينما انتهت من كتابة روايتها «أناس عاديون» عام 1976 أرسلتها إلى ناشر رفضها مباشرة، وكذلك محاولتها مع ناشر الثاني الذي بعث لها برسالة قال فيها ( على الرغم من بعض المحاور المهمة، إلا أن مستوى الكتابة أضعف من الاحتفاظ باهتمام القارئ)، أما الناشر الثالث وكان فايكنغ برس فقد احتفظ بالرواية ثمانية أشهر قبل اتخاذ قراره بنشرها.

وتكرر الأمر نفسه مع روايتها الثانية (الفردوس الثاني) ونشرت عام 1982 والثالثة أيضا (قتل الوقت في سانت كلاود) ونشرت عام 1988 والرابعة (جولات) ونشرت عام 1997 والخامسة (العين الملطخة) ونشرت عام 2004، وبذا صدرت كل رواية من دار مختلفة. وتعمل جوديث حاليا على الجزء الثاني من روايتها الأخيرة وهي بعنوان (بياض في القمر)، لتقوم بعد إنجازها بكتابة الجزء الثاني من روايتها (الفردوس الثاني) وستكون بعنوان «لا تكن على يقيم تام»،

وذلك إلى جانب عدد من القصص القصيرة والنصوص الأدبية.

كما كتبت جوديث عددا من السيناريوهات للسينما، منها سيناريو فيلم سينمائي مبني على ثلاث قصص قصيرة للكاتبة كارول بلاي وهو بعنوان (نهر ريتشيل). وقد حولت روايتها الأولى إلى فيلم سينمائي عام 1980، وحقق الفيلم نجاحا كبيرا وفاز بجائزة أكاديمي، ويعتبر من الأفلام الكلاسيكية الخالدة. وتضم رواية « أناس عاريون» نسيج قصتين متداخلتين، قصة الشاب كونراد أو كون جاريت ووالده كالفين، والراوي كطرف ثالث يدخل إلى عالم فردين من الأسرة فقط.

وتدور الأحداث في إحدى ضواحي مدينة شيكاغو عام 1970، حيث يتعرف القارئ على كونراد وحياته المضطربة التي يحاول أن يعيشها يوما بيوم من خلال عودته إلى المدرسة بعد انقطاع عام، ومحاولته التواصل مع زملائه والتغلب على مشاعر القلق وفقدان الشعور. ومن خلال الحوار بين كون ووالده كالفين، يعرف القارئ بمرض كون في المرحلة السابقة، كما يتجلى اهتمام والده به من خلال متابعته لكونراد بشأن تحديد موعد مع الطبيب النفسي الدكتور بيرجر.

ينتقل القارئ بعدها إلى الوالد كالفين المحامي الذي يواجه صعوبة في التواصل مع ابنه من طرف، ومع زوجته بيث التي تحاول تجاهل ابنها وشبح المأساة الذي يخيم على العائلة من طرف آخر. يبدأ كون بزيارة الطبيب ويشعر بالألفة والراحة معه، ويبدأ بالتحدث عن مشكلته ومحاولته السيطرة على آلامه. وهنا يسعى الطبيب إلى إقناعه أن التعبير عن المشاعر أفضل من كبتها والسيطرة عليها.

ومن خلال اللقاء الأول مع الطبيب يتجلى للقارئ شبح المأساة المتمثلة في وفاة أخيه الأكبر حينما داهمتهما عاصفة وهما يبحران بقارب شراعي، لتكتشف جثته بعد يومين. ويساعد الطبيب كون على تجاوز الشعور بالذنب لنجاته وهو الأصغر والأضعف، كما يشرح له طريقة تعامل والديه مع المأساة.

ومن طرف آخر يتقدم كون في علاجه وتأقلمه مع المجتمع ويتعرف على صديقة، تساعده من خلال انفتاحها على الحياة وحاجتها إلى التعاطف في تجاوز العديد من المراحل.وفي تلك الأثناء يسترجع الوالد شريط حياته منذ حياته في الميتم إلى ارتباطه بزوجته التي قال عنها مرشده انها من النوع الذي يأخذ ويعجز عن المشاركة والعطاء. كما يدرك عدم التقاطه للعديد من الإشارات التي تجاهلها بشأن ابنه قبل محاولته الانتحار.

وتفشل جميع محاولات كالفين في استعادة بيث التي تصر على الانفصال بعد رحلة استجمام انتهت بخلاف كبير بينهما. وإن استطاع الوالد أن يتغلب على المحنة بإطلاق مشاعره والتعبير عنها أمام ابنه. وتأتي النهاية بعودة كون إلى طبيعته وتجاوز كالفين للأزمة.

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae

الكتاب: أناس عاديون

تأليف: جوديث غيست

الناشر: بنغوين - لندن 1982

الصفحات: 272صفحة

القطع: المتوسط

Ordinary People

Judith Guest

Penguin -London 1982

P. 272