شكلت التحولات الاجتماعية فاصلاً في حياة الأمم، تحولات الاقتصاد والسياسة بالدرجة الأولى، وأفرزت مرحلة الكساد في الثلاثينات من القرن الماضي شكلا لحياة مختلفة استثمرتها السينما عبر أفلام المافيا التي نشطت في أميركا على وجه الخصوص.
لكن التحولات في البنية الأساسية لأي مجتمع تكون اقتصادية بالدرجة الأولى، لذلك تلعب بعض المنتجات الزراعية دوراً في تغيير البنية الانثروبولوجية للمجتمعات، وهذا كان محور كتاب أميركي صدر منذ ثلاث سنوات حول التاريخ الاجتماعي للفوشار «البوب كورن» والذي حقق مبيعات هائلة لجدة موضوعه وأهميته الاجتماعية من خلال تناول موضوع نبات الذرة الذي ساهم في حماية الاقتصاد الأميركي من الانهيار في الثلاثينات من القرن الماضي.
هذه النوعية من الكتب تفتقدها المكتبة العربية لأن المواضيع التي يقبل عليها الكتاب العرب بكثرة ذات بعد سياسي أو تحليلي لواقع راهن، وهذا ليس تقليلاً من شأن الكتاب العربي، أبداً، إنها دعوة إلى النظر فيما ننتجه من كتب يعاد إنتاجها على شاكلة المعرفة المعروفة إلى درجة أن الكتاب العربي يتطرق إلى المواضيع ذاتها التي كان يناقشها منذ سنوات طويلة، وقليلة هي المحاولات الفردية التي تخرج عن هذا الإطار والتي يضيع صداها وسط كم هائل من كتب مألوفة ومعروفة تحجب الضوء عن الكتاب الجيد.
إن فروقات المواضيع المطروقة لدى الكُتّاب في الغرب عن أقرانهم العرب تتمثل في مواضيع تصالحية مع الحياة تعني القارئ العام بشكل مباشر، ولعل نظرة سريعة على لائحة الكتب الأوسع انتشاراً في لندن أو نيويورك أو باريس تدلنا إلى مؤلفات عن صناعة الأزياء الراقية، وسيرة شخصية عامة وحياة نجم وقصة محاكمة احد المشاهير إلى جانب كتب ساخرة تنتقد أداء الحكومات والرؤساء وزعماء الأحزاب، بالإضافة إلى كتب الانتصارات الشخصية التي تحكي شأنا من شؤون النجاح.
إن مساهمة الكاتب في قراءة الحياة تأتي عبر مواضيع تعني الناس وتصادقهم ولا تستعلي عليهم أو تستعرض مخزونها الهائل من المصطلحات والتعاريف التي لا تعني القارئ بشيء، وهذا ما يدفع للسؤال حول كتب عربية عن ثقافة يريدها الناس وعن كتب من صميم مجتمعهم، ولن نذهب بعيداً إذا قلنا إن التمر يشكل مخزوناً هائلاً من الثقافة الانثروبولوجية للعرب تحديداً، وان هذه الثمرة ساهمت في دفع الجوع عن الناس مطلع القرن الماضي حيث جرت تحولات عالمية كثيرة نتجت عنها مجاعات كان العرب من ضحاياها.
وما يمر به العالم حاليا هو صدى لكساد الثلاثينات، ترى هل ننتظر كتابا يأتينا من الغرب لنقرأ الأزمة ونكتب عنها، أم نسارع إلى قراءة واقعنا والعمل على تحليله وتوصيفه إسهاما في البحث عن مخرج، إن أولى خطوات العلاج تبدأ من الاعتراف بالمرض.
