مؤلف كتاب «الإمتاع والمؤانسة» هو: علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أبو حيان، فيلسوف متصوف معتزلي، ولد في شيراز سنة 310 ه، وتوفي سنة 414هـ في بغداد يعتبر كتابه «الامتاع والمؤانسة من عيون الأدب العربي، ويضم مسامرات سبع وثلاثين ليلة قضاها «التوحيدي» في منادمة الوزير «أبي عبد الله العارض» وزير «همام الدولة» ابن «عضد الدولة البويهي».
من الكتاب الليلة التاسعة: وعدت ليلة أخرى فقال: فاتحة الحديث معك، فهات ماعندك، فكان من الجواب: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان، وذلك أن الإنسان صفو الجنس الذي هو الحيوان، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان، والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع، وما كان صفوا ومصاصاً بهذا النظر، انتظم فيه من كل ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر، وظهر ذلك عليه، وبطن أيضاً بالأقل والأكثر وأغلب والأضعف.
كالكمون الذي في طبع السبع والفأرة، والثبات الذي في طباع الذئب، والتحرز الذي في طباع الجاموس من نبات الليل، والحذر الذي في طباع الخنزير، والتقدم الذي في طباع الفيل أمام قطيعه، تمثلاً بصاحب المقدمة. وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثلاً بصاحب الساقة. وكالحراسة التي في طباع الكلب، وكأوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدغل والأشب العارض. ولهذا قال بعض الحكماء: خذ من الخنزير بكوره في الحوائج ومن الكلب نصحه لأهله، ومن الهرة لطف نفسها عن المساءلة.
وقالت الترك: ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشر خصال من ضروب الحيوان: سخاء الديك وتحنن الدجاجة، ونجدة الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب، وحراسة الكركي، وحذر الغراب، وغارة الذئب، وسمن بعروا، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء. ولما وهب الإنسان الفطرة وأيمن بالفكرة، ورفد بالعقل جمع الخصال، ما هو أكثر منها لنفسه وفي أنفسه. وبسبب هذه المزية الظاهرة فضل جميع الحيوان، حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير والأعمال واستخراج المنافع منها، وإدراك الحاجات بها.
وهذه المزية التي له مستفاده بالعقل، لأن العقل ينبوع العلم، والطبيعة ينبوع الصناعات والفكر بينهما مسحّل منهما، ومؤدى بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني والتوزيع الإنساني- فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل وصواب روية الفكرة من صحة الطباع، وصحة الطباع وموافقة المزاج، وموافقة المزاج بالمدد الاتفاقي والاتفاق الغيبي، أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق، ووجه الحادث المعلوم عند الله عز وجل غيب، فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب.
