يعتبر العراق من أغنى الأقطار العربية في تراثه الغنائي والموسيقي، كما هي الحال في بلاد الشام ومصر وبلدان المغرب والخليج، إلا أن مادة الغناسيقية إن صح التعبير قد تميزت في العراق من خلال المقامات العراقية التي أصبحت هوية وطنية، وقد عاش المقام مئات السنين، تطور خلال هذه القرون من تاريخ العراق الحضاري فكان منهم زرياب، واسحق الموصلي، وإبراهيم الموصلي، والفارابي، وغيرهم ممن تركوا عمقاً فنياً رفيع المستوى.
اختلف الباحثون في تعريف المقامات وجوهرها، خاصة وأنه عاش كل هذه المئات من السنين وتأثر بالحضارات التي عاشت على أرض الرافدين، بعضهم سهل التعريف باعتباره غناسيقيا تراثيا ـ عراقيا- متعدد الأشكال والمضامين الغنائية، ويعكس هوية وحياة وحضارة العراقيين بكل اثنياتهم واختلاف طوائفهم وأجناسهم، وبعضهم عرف المقامات بأنها مجموعة أجناس موسيقية وغنائية تحكمها قوانين وعناصر وأصول هذا الفن، وهو بالتالي يرتبط بنظام موسيقي دقيق وبغنائية رصينة.
والاجتهادات تطول عند الباحثين، كما هي الدلالات والاشتقاقات لهذا الفن المتميز عند العراقيين خاصة والعرب عامة، والذي انتقل إلى دول جوار العراق مثل إيران وتركيا وسوريا، غير أن قراء المقام أعلام في تاريخ الموسيقى، لا نريد الحديث عنهم الآن بقدر ما نريد أن نبرز قارئات المقام اللواتي عرفن بجماهيريتهن، وأساليبهن، وأثرهن على تطور هذا الفن، وهن كثيرات.
باحثو الموسيقى يفرزون سبع قارئات للمقام قمن بتطوير المقامات ويمتلكن شخصية متميزة ولهن أساليبهن في الأداء، وهن على توالي ظهورهن، أولهن صديقة الملاية، وسليمة مراد، سلطانة يوسف، زهور حسين، مائدة نزهت، فريدة محمد علي، وآخرهن سحر طه، غير أن الواقع الذي عاشته الحياة الفنية في العراق لم يقتصر على هذه النخبة فحسب بل يمكن أن نذكر عشرات، أمثال أحلام وهبي، هيفاء حسين، غادة سالم، والمطربات الكرديات، والموصليات أما المطربة الراحلة لميعة توفيق فقد أبدعت وتميزت عن غيرها بمقام الجمّال.
أما مائدة نزهت فقد غنت مقام الحويزاوي على الرغم من أن محمد القبنجي قد سبقها في غنائه وكذلك وريثه ناظم الغزالي. والحديث يطول إلى أن نصل إلى فريدة، سيدة المقام التي غنت لملوك ورؤساء العرب بل ولملكات أوروبا ورؤسائها، وغزت أميركا فأحدثت العجب، وتوجت ملكة على المقام، وقد غنت حتى الآن بإتقان عشرين مقاماً، وقد درست أكاديمياً أكثر من 40 مقاماً، ثم درّستها لطلابها حيث عملت أستاذة للمقام في معهد الموسيقى في بغداد قبل هجرتها إلى هولندا.
