«آسيا الجديدة»، هذا هو عنوان الكتاب الثالث للمؤلف كيشور محبوباني، وقد لاقى نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة الأميركية بعد صدوره قبل عدة أشهر. الموضوع الأساسي لهذا الكتاب هو «الوزن المتعاظم للبلدان الآسيوية في العالم على الصعيدين الاقتصادي والسياسي». ويتضمن هذا الكتاب رسالة واضحة إلى الغرب عامة مفادها أنه ينبغي عليه أن يأخذ باعتباره الحقائق الجديدة على أرض الواقع.
يتوقف المؤلف عند سؤال هام «لماذا تزدهر آسيا»؟ وتتمثل الإجابات المقدّمة بالخط العريض في لجوئها إلى اقتصاد السوق والاستفادة من العلوم والتكنولوجيات وتزوّدها بالكفاءات العلمية إلى جانب الحس العملي وتأكيدها على ثقافة السلام. ويرى المؤلف أن أحد نقاط القوة لدى آسيا تتسم باهتمامها بالنظام التربوي. وفي مناقشته لسؤال اخر وهام «لماذا لا يفرح الغرب من ازدهار آسيا»؟ يبدأ المؤلف إجابته بسؤال آخر: ما هو الغرب؟ هنا يبرز الحس «التاريخي» لدى المؤلف الذي كان قد بدأ دراساته في ميدان علم التاريخ.
وهو يركز على تحليل النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية حيث استطاع الغرب الرأسمالي أن يحكم سيطرته على مختلف المنظمات الدولية السياسية منها، كالأمم المتحدة، والاقتصادية التي ليس أقلها شأنا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الدور الهام الذي لعبته الجامعات الغربية في نشر القيم الغربية على الصعيد الكوني.
وفي دراسته لما يسميه «عودة التاريخ» يؤكد المؤلف أن «الابتعاد عن الغرب» يمثل بالنسبة لاسيا الخطوة الأولى في هذه العودة. ويقوم الكتاب بتحليل آليات «عودة التاريخ» بالنسبة لثلاث مناطق آسيوية، يحددها في الصين والهند، الدولتين الصاعدتين بقوة منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن، وفي العالم الإسلامي. وتتم المقارنة بين «عدم كفاءة الغرب» و«الكفاءة الآسيوية».
ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات ضمن هذا الإطار لدراسة علاقة الغرب بالشرق الأوسط حيث يعتبر أن السياسة الغربية حيال هذه المنطقة من العالم هي «الأكثر سوءً» التي انتهجها الغرب. ويقدم الأمثلة على ذلك في حرب العراق وفي شعار الحرب العالمية ضد الإرهاب وفي التحيّز الكبير فيما يتعلق بالملف الفلسطيني.
ويناقش الكتاب «مستلزمات الزعامة الدولية». ويبحث في المبادئ والشراكات والمبادرات التي تقوم هنا وهناك في منظور إرساء نظام عالمي جديد. ويرى أنه في مختلف هذه المبادرات هناك بعد يتم إهماله إلى حد كبير ويخص «العدالة الاجتماعية».
إن إحدى المهمات الأساسية التي أرادكيشور محبوباني أن يؤكد عليها في هذا الكتاب هي في شرح المعالم وما يشهده من تبدلات اليوم من وجهة نظر «غير الغربيين». ولا يتردد في القول بمنتهى الوضوح والصراحة أنه ينبغي على ال12 بالمئة من سكان المعمورة الذين يعيشون في الغرب اليوم أن يفهموا كيف يرى ال88 بالمئة الباقين قضايا العالم الراهن.
يقضة الحداثة
«اليقظة» التي تجسدها خاصة الصين والهند، ولكن أيضاً هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية، لم تؤد إلى دخول هذه البلدان إلى الحداثة فحسب، لكنها دفعتها أيضاً إلى تغيير رؤيتها لنفسها وللمستقبل. وغيّرت بنفس الوقت رؤيتها لبقية العالم، والأهم هو أنها غيّرت نظرة الغربيين على آسيا. وبالملخص المقيد يرى المؤلف أنه ينبغي على الغربيين اليوم أن يقبلوا واقع أن العالم لم يعد «غربيا» كما كان، وكما يريدونه أن يبقى.
السير نحو الحداثة
يؤكد كيشور محبوباني على أهمية أن تسير آسيا، بكل مكوناتها الصينية والهندية والإسلامية وما عداها، نحو الحداثة، الأمر الذي لا بد وأن تكون له فوائده بالنسبة للجميع. لكن معرفة الحداثة التي يريدها الآسيويون، تستدعي حسب تأكيدات المؤلف، التعرّف «من أين جاؤوا»؟ وهو لا يتردد أن يصف على مدى العديد من الصفحات حياة البؤس التي عاشها وإخوته الخمسة في غرفة واحدة بلا هاتف ولا تلفزيون، ولا حتى دورة مياه خاصة، حتى أصبح عمره عشر سنوات. وتتم الإشارة إلى إحصائيات الأمم المتحدة التي تدل على أن 42 بالمئة من سكان العالم أي 2،6 مليار يفتقرون إلى مثل هذه «الرفاهية» في بيوتهم.
المؤلف في سطور
كيشور محبوباني، من مواليد سنغافورة حيث كان أبواه الهنديان قد هاجرا. أنجز دراسات عليا في الفلسفة والتاريخ، ثم انخرط في السلك الدبلوماسي لسنغافورة ليعمل أثناءها ممثلا لبلاده في العديد من بلدان العالم طيلة ثلاثة عقود من الزمن تقريبا، أمضى منها عدة سنوات في الأمم المتحيعمل كيشور محبوباني منذ أربع سنوات أستاذا وعميدا في كلية «كوان يو» للسياسات العامة بالجامعة الوطنية السنغافورية.
الكتاب : آسيا الجديدة
تأليف: كيشور محبوباني
الناشر: بوبليك افير ـ نيويورك 2008
الصفحات: 336صفحة
القطع: المتوسط
The new asian hemisphere
Kishor Mahbubani
PubliAffairs N.Y. 2008
P.336
