«أشكال العزلة الجديدة» التي تناقشها المؤلفة ماري فرانس هيريغوايان في هذا الكتاب هي «جديدة» من حيث أن المعنيين بها يعيشونها في مجتمع يعرف «ثورة في الاتصالات». ذلك أن وسائل هذا الاتصال لم تكن متطورة في تاريخ البشرية كلها بمقدار ما هي عليه الآن.
إنها لم تكن بهذا الكم وبهذا القدر من إمكانية الوصول إليها واستخدامها وبهذا القدر من إمكانية ولوجها أيضاً إلى ما هو حميمي في حياة البشر. لكن هذا «الاجتياح» الذي تمارسه وسائل الاتصال يقابله بنفس الوقت وجود أعداد كبيرة من البشر الذين يعانون من «آلام العزلة المبرحة»، بل وهناك نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا قد اتخذوا قرارات «مع سابق الإصرار والتصميم» باختيار العيش «معزولين» عن الآخرين حيث «يجدون أنفسهم أكثر في الحياة وحدهم». هذه المفارقة بين توفر أدوات الاتصال وواقع العزلة الذي يعيشه كُثر هي بالتحديد ما تسعى المؤلفة إلى شرحه في كتابها.
وتجد الخطوط العريضة فيما تصل إليه من تفسيرات للعزلة في «تعاظم درجة الاستقلال الذاتي الذي تعيشه النساء في المجتمعات الغربية»، هذا على الرغم من عدم اكتماله»، وفي «تصلّب العلاقات داخل الأسرة»، وفي «عالم العمل». بكل الحالات تؤكد المؤلفة أن تنامي ظاهرة «العزلة» في مختلف المجتمعات المتطورة قد أصبح إحدى السمات الاجتماعية الكبرى. ومن الظواهر الاجتماعية التي ترى بها ماري فرانس هيريغوايان مصدرا للعزلة في المجتمعات الغربية هناك واقع أن كل زواج من زواجين أصبح ينتهي بالطلاق أو بالقطيعة الفعلية. وما تؤكده المؤلفة أن مثل هذه القطيعة تكون في أغلب الأحيان بناء على مبادرة تأخذها المرأة وليس الرجل.
بالمقابل غدا هناك ميل يتزايد أكثر فأكثر نحو «عزلة الأفراد» وعيشهم في «عولم افتراضية» التي تعطي «الأوهام بالاقتراب من الآخرين». وهذا ما يفسر، بمعنى ما، تكاثر مواقع الانترنت التي تخدم في «تسهيل» اللقاءات بين البشر. هذه الظاهرة منتشرة في مختلف البلدان الغربية الغنية، خاصة في المدن الكبرى.
وأمام الفكرة الشائعة أن العمل هو مكان للتبادل والتواصل بين العاملين، ترى المؤلفة المحللة النفسانية أن العكس هو الصحيح إذ أن أجواء العمل في الغرب اليوم تدعو إلى قدر أكبر من «النزعات الفردية والتمحور حول الذات» وتولّد بالتالي حالات متزايدة من «العزلة». وتتحدث ماري فرانس هيريغوايان في هذا السياق عما تسميه بـ «الأسر الجديدة» حيث غدت العلاقات أكثر تعقيدا.
وتعني بهذا أن كلا من الزوجين في إطار مؤسسة الزواج غدا يعادل نوعا من البحث عن «الازدهار الشخصي» عبر الآخر، أي البحث عن «تحسين الشروط الذاتية» الفردية، مما يعرّض الزواج غالبا إلى الفشل. هذا ومنذ اللحظة التي أصبحت فيها النساء يمتلكن «نظريا على الأقل»، درجة عالية من الاستقلال الذاتي المالي والحياتي، أصبحت نسبة عالية منهن يرفضن التضحية باستقلالهن لمصلحة «تحسين شروط حياة الثنائي داخل الأسرة». أصبح المطلوب هو «الحصول على الحب ولكن دون واجبات الأسرة».
وتشير المؤلفة في الصفحات الأخيرة من الكتاب إلى ظاهرة أن المجتمعات قد غدت «بدون عمق». ذلك أن عددا كبيرا من الناس في المجتمعات الاستهلاكية أصبحوا يخشون من العزلة ويبحثون عن الهرب منها عبر ربط علاقات كثيرة، وإنما سطحية، بسبب طبيعتها «العابرة» غالبا، هذا في الوقت الذي يتطلب فيه الوصول إلى علاقات عميقة امتلاك قدر هام من «الاستمرارية».
إن المؤلفة تقدم العديد والأمثلة على نماذج من البشر في مدينة باريس وغيرها يعيشون أشكالا مختلفة من العزلة. رغم أن البعض منهم يقضون أوقاتا طويلة في المقاهي العامرة بالروّاد. لكن عزلتهم «الداخلية» تبقى عميقة ومؤلمة. كتاب تؤكد مؤلفته أنه بمقدار ما تزداد أدوات التواصل بين البشر، تزداد مظاهر العزلة لديهم، وهذه هي إحدى سمات المجتمعات الغربية الاستهلاكية، ومفارقاتها.
الحرية...والهشاشة
إن تأكيد ماري فرانس هيريغوايان على صفة أما تأكيد المؤلفة على صفة «الجديدة» بالنسبة لأشكال العزلة السائدة اليوم في المجتمعات الغربية فمصدرها أن أبناء البلدان الصناعية أصبحوا عامة يتمتعون بقدر أكبر من هامش الحرية ولكن ينتابهم الإحساس أنهم «أكثر هشاشة وأكثر عزلة». والنزعة الفردية المتعاظمة باعتبارها «قيمة عليا» في المجتمعات الاستهلاكية تولّد الإحساس بـ «غياب الأمن» في جميع الميادين. ويزيد من هذا الإحساس أفق تدهور شروط العمل وتضاؤل النشاطات الاجتماعية المشتركة، وهذا ينعكس أيضاً على الحياة العاطفية نفسها.
المؤلفة في سطور
مؤلفة هذا الكتاب، ماري فرانس هيريغوايان، هي طبيبة نفسية وأخصائية في دراسة مختلف آليات العنف في المجتمعات الاستهلاكية الصناعية، العنف داخل الأسرة والعنف الجنسي. وكانت قد قدّمت كتابا لاقى صدى كبيرا تحت عنوان «التحرّش الأخلاقي». ومن كتبها أيضاً «حالة استياء في إطار العمل» و«نساء تحت الهيمنة» و«أسباب العنف بين الزوجين»، الخ.
الكتاب: أشكال العزلة الجديدة
تأليف: ماري فرانس هيريغوايان
الناشر: مارابوت باريس 2008
الصفحات: 252صفحة
القطع: المتوسط
Les nouvelles solitudes
Marie France Hirigoyen
Marabout - Paris 2008
P.252

