«ما بعد الديمقراطية» عنوان الكتاب الجديد لإيمانويل تود يذكّر حتما بكتابه السابق «ما بعد الإمبراطورية» الذي أثار ضجة كبيرة عند صدوره وجرت ترجمته إلى عدة لغات. إن المؤلّف يجمع في تحليلاته بين دراسة الظروف الراهنة التي تمرّ بها المجتمعات الصناعية الغربية المتقدّمة وبين دراسة المسارات التطورية التي عرفتها على المدى الطويل.
وذلك في منظور محاولة فهم الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة وأفق تطور البنى الاجتماعية. ويخلص المؤلف إلى التأكيد على «السمة الدينية» للأزمة الحالية في المجتمعات المعنية وحيث يلعب المكوّن الديني دورا «بنيويا» في هذه المجتمعات، كما يؤكد على شيوع «نزعة تشاؤمية» على المستوى الثقافي تعود إلى «حالة الجمود» التي تعيشها المنظومات التربوية. يتوصل المؤلف في تحليلاته إلى القول أن العولمة وما فرضته من التبادل التجاري الحرّ ساعدت على إمكانية «ظهور الصراع الطبقي من جديد» كنتيجة مباشرة للتضاؤل الكبير الذي عرفته الطبقات الوسطى مقابل ظهور طبقتين أساسيتين، إحداهما تمثل النخب القليلة من «الأثرياء الجدد» وتضم الأخرى الشرائح الواسعة ذات الدخل المحدود والتي كانت تنتمي بجزء كبير منها إلى الطبقة الوسطى «السابقة».
هذه النتائج كلها يضع المؤلف لها أسباب عديدة يسوقها على مدى صفحات كتابه. ويحدد في رأس قائمة هذه الأسباب ما يسميه «جنوحات مجموع الجسد السياسي المعاصر» كما يدل المسار التاريخي والاجتماعي لتطورها. ويجمع ايمانويل تود في حكمه معسكري اليمين واليسار، على حد سواء. ويبدأ الكتاب بالسؤال التالي: كيف استطاع نيكولا ساركوزي أن يصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية؟
وهو يصدر عليه حكما قاسيا إذ يصفه أنه «عدواني نرجسي معجب بالثروات وبأميركا بوش ولا يتمتع بكفاءة عالية في مجال الاقتصاد كما في مجال الدبلوماسية، وكانت تصريحاته المحرّضة عندما كان وزيرا للداخلية قد أضرمت النيران في ضواحي المدن الفرنسية كلها». ويشير المؤلف أنه رغم هذا كله كان هناك 53 بالمئة من الفرنسيين قد أولوه ثقتهم، مما يدل على وجود أزمة «بنيوية» مجتمعية.
ويحدد المؤلف خمس سمات للظرف الراهن في بلد مثل فرنسا اليوم هي: عدم اتساق الفكر والتواضع الثقافي والعدوانية والحب المرضي للمال وعدم الاستقرار العاطفي والعائلي. ويقابل هذه السمات برأيه انحسارا في الديمقراطية وخللا في التربية وفراغا روحانيا وزيادة في فقر الشرائح الشعبية.
ويرى ايمانويل تود أن الجمود على صعيد المنظومات التربوية قد أدّى إلى بروز مجموعة من «المثقفين الرجعيين» الذين يقدّمون «ما يحلو لهم» من تفسيرات لانحطاط بلدانهم. هؤلاء المثقفون تجمع بينهم صفة واحدة هي حنينهم إلى الماضي «المحنّط» وهم يلتقون بذلك أيضاً مع أولئك الذين سبقوهم ومع أولئك الذين سوف يأتون بعدهم. وفي فرنسا مثلا لا يريدون الاعتراف بغير «لغة موليير» وبغير أولئك الذين «يحملون الشهادات العليا».
هذا مع العلم أن هذه الشهادات لم تعد تضمن التقدم الاجتماعي لأولئك الذين يحملونها. ويشير أيمانويل تود إلى وجود إرادة سياسية «واعية» أو غياب «أية إرادة» حوّلت «الخوف» من الآخر إلى نوع من البحث عن «الهوية». ويصل إلى حد القول: «كان مجتمعنا هو مجتمع مأزوم، ومهدد أن لا تجري الأمور على ما يرام». ويرى أن الديمقراطية نفسها مهددة. ذلك أن «العنف والإفقار الاقتصادي، والتقهقر الثقافي، أمور تشكل كلها وحدة واحدة».
ومن الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف قوله أن حالة الاستياء التي تعاني منها المجتمعات الغربية الاستهلاكية اليوم تعود بدرجة ما إلى «تضاؤل البعد الإيماني». ويقول كذلك بوجود نوع من «التزامن» بين بروز أزمة الكاثوليكية في عقد السبعينات الماضي وبين التحولات السياسية التي عرفتها المجتمعات المعنية. ذلك أن المواطنين أصبحوا «يتصرفون أكثر فأكثر كأفراد لا تجمع بينهم معتقدات صلبة».
ومثل تلك الحركة أدّت إلى شروخ اجتماعية حقيقية بحيث أصبح «ذوو التأهيل العلمي والمعرفي العالي يعيشون فيما بينهم والعمال تقوقعوا في عالمهم الخاص».
وفي المحصلة النهائية يصل أيمانويل تود إلى نتيجة مفادها «أن مأساة الديمقراطيات لا تكمن في التعارض بين النخبة والجماهير بمقدار ما تكمن في تبصّر الجماهير وفي حالة العماء التي تعاني منها النخب». ذلك أن أية ديمقراطية ليست، برأيه، منظومة «شعبوية» وإنما عليها أن تعتمد على نخبة أخذت تميّزها على قاعدة ما تمتلكه من مؤهلات وعلى التزامها الحقيقي بالحياة الديمقراطية.
ورغم التشاؤم الكبير الذي تتميز به تحليلات المؤلف حول مصير الديمقراطية الغربية، فإنه يترك الباب مفتوحا لبعض الأمل ف«بعد الديمقراطية» قد يكون هناك مكان لـ «ديمقراطية أفضل» تتذكّر التزاماتها حيال المواطنين.
البعد التربوي
يرى المؤلف أن الجمود على صعيد المنظومات التربوية قد أدّى إلى بروز مجموعة من «المثقفين الرجعيين» الذين يقدّمون «ما يحلو لهم» من تفسيرات لانحطاط بلدانهم. هؤلاء المثقفون تجمع بينهم صفة واحدة هي حنينهم إلى الماضي «المحنّط» وهم يلتقون بذلك أيضاً مع أولئك الذين سبقوهم ومع أولئك الذين سوف يأتون بعدهم. وفي فرنسا مثلا لا يريدون الاعتراف بغير «لغة موليير» وبغير أولئك الذين «يحملون الشهادات العليا». هذا مع العلم أن هذه الشهادات لم تعد تضمن التقدم الاجتماعي لأولئك الذين يحملونها.
المؤلف في سطور
ايمانويل تود، مفكر سياسي وباحث ديموغرافي وعالم اجتماع وكاتب فرنسي يشار له بالبنان اليوم. سبق له وقدّم عشرات الكتب في مختلف ميادين اهتمامه من بينها: «ما بعد الإمبراطورية» الصادر عام 2000 والمقصود بذلك الإمبراطورية الأميركية، و«الوهم الاقتصادي» و«السقوط النهائي: دراسة حول تفسّخ المحيط السوفييتي» و«النزعة القومية الأميركية الجديدة»، الخ.
الكتاب: ما بعد الديمقراطية
تأليف: ايمانويل تود
الناشر : غاليمار باريس 2008
الصفحات: 257 صفحة
القطع: المتوسط
Après la démocratie
Emmanuel Todd
Gallimard - Paris 2008
P.257

