على الرغم من أن تنويه لجنة الأكاديمية الملكية السويدية في غمار تبريرها منح جائزة نوبل في الأدب للروائي الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو كان منصباً على مجمل أعماله باعتباره كاتب الارتجالات الجديدة والمغامرة الشعرية والنشوة الحسية ومستكشفاً للإنسانية فيما يتجاوز الحضارة السائدة ويتدنى عنها، إلا أن عملاً محدداً في هذا الإطار من أعمال الروائي الكبير حظي بالتشديد على أهميته الفائقة.

هذا العمل، الذي لابد من التوقف عنده طويلاً، هو رواية لوكليزيو التي تحمل عنوان »الصحراء« الصادرة عن دار جاليمار في طبعتها الأولى عام 1980. ولكن ما الذي يميز هذا العمل حقاً؟ ما الذي يدعو إلى التوقف عنده دون غيره من أعمال لوكليزيو؟ ولماذا هذا الحرص من جانب اللجنة الملكية السويدية ومن جانب معظم النقاد على الإشارة إلى فرادة هذا العمل؟ قبل التطرق إلى التفاصيل الهائلة التي تفجرها علامات الاستفهام هذه، وغيرها كثير، لابد لنا من ملاحظة أن رواية «الصحراء» حظيت منذ انطلاقتها الأولى، وقبل ترجمتها إلى العديد من اللغات، ومن بينها اللغة العربية، باهتمام نقدي كبير، تجلى في حصول لوكليزيو بجائزة بارزة عنها من الأكاديمية الفرنسية.وهناك إجماع على تأكيد أن رواية «الصحراء» تتضمن حشداً من الصور الرائعة لثقافة مفقودة في صحراء شمال إفريقيا، وإنها تشكل مفارقة لتصوير أوروبا منظوراً إليها من عيني المهاجرين غير المرغوب فيهم.

ولعل شخصية للاّ، التي تشكل النقيض الطوباوي الصحراوي لبشاعة المجتمع الأوروبي ووحشيته، هي من الشخصيات القليلة في الأدب العالمي التي تعلق بالذاكرة على نحو يستعصي بصورة مطلقة على النسيان. والرواية التي تعد رائعة لوكليزيو بامتياز، وتشكل منعطفاً بالغ الأهمية في مسيرته الأدبية، تنصب في جوهرها على وصف محنة للاّ، المرأة التي تنتمي إلى قبيلة بدوية من طوارق صحراء شمال إفريقيا، وتتابع رحلتها الموجعة وهي تحاول التألق مع حضارة فرضتها فرنسا الكولونيالية في بداية القرن العشرين.

قد لا يكون من قبيل المبالغة التشديد على أن انجذاب لوكليزيو إلى صحراء شمال إفريقيا التي ألهمته رواية «الصحراء» يعكس اهتماماً أصيلاً، ترجم على المستوى الشخصي في زواجه من امرأة تدعى جمعة، تنتمي إلى الساقية الحمراء (الصحراء الغربية)، وعلى المستوى الإبداعي في رفضه للوضعية الراهنة للثقافة الفرنسية، التي لم يتردد فيليب سوليرز في إطارها في الحديث عن «عفونة الأدب الفرنسي» ومضت الصحافة الفرنسية في إلقاء الضوء عليها إلى حد انتقاد ما أسمته بضحالة الأدب الفرنسي.

وبهذا المعنى فإن «الصحراء» من حيث بنيتها الفكرية تنتمي إلى النسيج الكلي لانتقادات لوكليزيو اللاذعة للغرب، ورفضه لماضيه الكولونيالي المدمر للشعوب التي تعرضت للاستعمار ولحاضره التدميري للبيئة أيضاً وإصراره على عدم تعويض هذه الشعوب عن الأضرار المروعة التي حاقت بها على يد المستعمر الغربي. غير أن «الصحراء» تأتي في عام 1980 لتقدم الدفق المدهش من الصور عن صحراء شمال إفريقيا الذي لا يزال العالم يتوقف عنده طويلاً حتى اليوم بعد ما يزيد على ربع قرن من إطلالته الأولى.

هذه الفترة الممتدة عبر الصنف الأول من عقد السبعينات شهدت إقامة لوكليزيو طويلاً في المكسيك في أميركا الوسطى، وكانت حاسمة بالنسبة لأعماله، حيث أدار ظهره إلى المدن الكبرى، وبدأ بحثاً ممتداً عن الواقع الروحي الجديد الذي سعى إليه من خلال الاحتكاك بالهنود الحمر. وليس من قبيل الصدفة أنه التقى زوجته المغربية في عام 1975 وأنه في العام نفسه أصدر كتابه «رحلة إلى الساحل الآخر» الذي يقدم فيه للقارئ جوهر ما تعلمه في أميركا الوسطى.

وهذه الفترة أيضاً هي التي بدأ فيها لوكليزيو ترجمة الأعمال الكبرى في التقاليد الفكرية والتراثية للهنود الحمر، والتي تشهد على افتتانه بالماضي الرائع للمكسيك. ومنذ التسعينات يواصل لوكليزيو وزوجته تقسيم وقتهما على مدار العام بين البوكيرك في نيومكسيكو بالولايات المتحدة وجزيرة موريشيوس ومسقط رأسه نيس في جنوبي فرنسا.

وفي السنوات الأخيرة، يبدو بوضوح انجذاب لوكليزيو إلى الحلم بفردوس أرضي، وهو ما يتجلى في أعمال شهيرة مثل «أورانيا» الصادر عام 2005 و«الوصول إلى القارة الخفية» الصادر في 2006، وهذا العمل الأخير مكرس بكامله لتوثيق طريقة الحياة في جزر المحيط الهندي التي توشك على الاختفاء مع إطباق العولمة عليها بلا هوادة.

وقد انتقل التشديد في أعمال لوكليزيو بصورة متزايدة باتجاه اكتشاف عالم الطفولة وتاريخ عائلته. وقد بدأ هذا التطور منذ عام 1991 مع صدور كتابه بعنوان «أونيشتا» واستمر بوضوح مع صدور «الحجر الصحي» عام 1995 ووصل إلى ذروته مع صدور «الثورات» عام 2003 و«الإفريقي» عام 2004.

وكتاب «الثورات» يختصر أهم الموضوعات في عمل لوكليزيو، وهي الذاكرة والمنفى والتحول إلى مرحلة الشباب والصراع الثقافي، حيث تتواجه أحداث من أزمنة وأمكنة مختلفة وتبرز سنوات دراسة الشخصية الرئيسية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين في نيس ولندن والمكسيك جنباً إلى جنب مع تجارب أحد أسلافه والذي ينتمي إلى بريتاني وكان جندياً في جيش الثورة في السنوات 1792 ـ 1794 وهجرته إلى جزيرة موريشيوس للهرب من قمع المجتمع الثوري وقصة جارية منذ بداية القرن التاسع عشر.

وتندرج في ذكريات الطفولة قصة زيارة الشخصية الرئيسية إلى أخت جده، وهي الحاملة الأخيرة لأعراف العائلة من الضيعة المفقودة في موريشيوس، والتي تنقل الذكريات إليه والتي سيحملها باعتباره مؤلفاً إلى المستقبل. أما رواية «الإفريقي» فهي في آن إعادة بناء واستجماع لذكريات صبي عاش في ظل غريب كان مضطراً لأن يحبه، وهو يتذكر عبر المشاهد الطبيعية، وإفريقيا تحدثه بهويته، وفي الثامنة من عمره يعايش لم شمل عائلته بعد أن تفرقت خلال سنوات الحرب.

غير أن شخصية للاّ في «الصحراء» تظل من بين مجمل أعمال لوكليزيو هي القادرة على فرض حضورها المدهش، ربما لأنها في نهاية المطاف تجسيد للمفارقة الوحشية بين العذوبة الطوباوية لهذه المرأة وضراوة المدينة الأوروبية اليوم.

الأعياد لم تصنع من أجلها

«في هذا اليوم، كان يوجد مذاق يشبه مذاق الدم، لأنه اليوم الذي يتوجب فيه ذبح الخروف كان ثمة انطباع غريب، كما لو أنه شيء ما قاسٍ ومتوتر، لأنه أوان انتهاء الصوم، وبإمكانهم الأكل من دون توقف إلى أن تمتلئ بطونهم. لكن للاّ لم تستطع أن تكون سعيدة كفاية، بسبب الخروف. من الصعب وصف الأمر، كما لو أنه سفود في داخل جسدها، رغبة في الهرب.. إنها تفكر في الأمر كل أيام العيد، وهي ربما تشبه الحرطاني، وربما أن الأعياد لم تصنع من أجلها».

مقتطف من رواية «الصحراء»

الكتاب: الصحراء

تأليف: جان ماري غوستاف لوكليزيو

الناشر: غاليمار باريس 1980

الصفحات: 523 صفحة

القطع: المتوسط

Desert

Jean Marie Le Gustave Clezio

Gallimarr- Paris 2008

P.523