ينطلق الباحث جوزيف كلاس في كتابه «الحياة السياسية في الوطن العربي » في قراءته للتاريخ العربي القديم من رؤية تقوم على أن فهم الحاضر يكون من خلال التمعن في أحداث الماضي وفهم أحداثه بغية الاستفادة من دروسه ولذلك يدعو إلى التخلص من محاولة رد حالة التردي والضعف التي عاشتها الأمة العربية في الماضي وما زالت إلى العامل الخارجي وحده متناسين مسؤولية العرب أنفسهم عن تلك الحالة المستفحلة وانعكاساتها على حرية العرب واستقلالهم وتقدم مجتمعاتهم.

يتبع الباحث في دراسته المنهج التاريخ فيبدأ بدراسة الحياة السياسية في القرن الأول للهجرة مركزا على طبيعة المرحلة التاريخية التي سبقت ظهور الإسلام حيث كانت كل من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية يقتسمان العالم العربي ولذلك جاء نهوض الإسلام على تخوم هاتين الإمبراطوريتين ليهز أركانهما. وينتقل الباحث من مرحلة ظهور الإسلام إلى دراسة الحياة السياسية في عصر بني أمية الذي اتسعت فيه حدود الدولة وتطورت من الخلافة الرشيدة إلى الملك الوراثي الذي يزهو بأبهة الأباطرة البيزنطيين ويعمل بالنظام الإداري لدولتي فارس وبيزنطة بعد أن أصبحت دمشق هي مركز الخلافة مما أغضب أهل الحجاز والعراق كذلك يتناول الأحداث التاريخية التي بدأت منذ عام الجماعة الذي انتصر فيه معاوية على علي وصولا إلى نهاية حكم آل سفيان مع موت معاوية وانتقال السلطة إلى البيت المرواني مع مروان بن الحكم الذي استعان بالقبائل اليمنية في إخضاع القبائل القيسية.

كما يتحدث عن ظهور الأحزاب السياسية والفرق المذاهبية بسبب الصراع على السلطة كالحزب الأموي والحزب الشيعي وحزب الخوارج. ويبحث الكاتب في الحياة السياسية في نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي مبينا ما قام به مؤسسو الدولة العباسية من إعادة تركيب للقوى المعارضة للأمويين ومن ثم التخلص منها مما خلق حالة من الاضطراب والاختلاط مما نجم عنه صراع بين العرب والموالي .

بعد ذلك يتحدث د. كلاس عن الحياة السياسية في القرنين الثاني والثالث الهجري والتي شهدت الصراع بين المأمون والأمين ثم انتهت بانتصار الأول الذي سانده الفرس مما عزز سلطتهم ونفوذهم. وينتقل للحديث عن الحياة السياسية في عصر تفكك الدولة العباسية ومن ثم في مرحلة نشوء الدولة الفاطمية وفي الأندلس معتمدا المنهج الذي اتبعه في تقصي وجوه الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية برموزها وأعلامها وتداعياتها

ثم ينتقل لدراسة الحياة السياسية في الشرق منذ مطلع القرن الحادي عشر الهجري سواء في العصر السلجوقي التركي الذي قضى على بقايا الثقافة اليونانية، أو العصر الأيوبي الذي كان خلفاؤه يحبون العلم ويحتفون بالعلماء ثم العصر المملوكي وصولا إلى عهد الأمير فخر الدين المعني وعهد محمد علي وعصر النهضة ، لكنه في النهاية يختصر دراسة الواقع الذي كان عليه العرب بدراسة مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية في مصر متجاهلا الوضع الذي كانت عليه بقية البلدان العربية مع العلم أن عصر النهضة الذي بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر ساهم في بلورته وصياغة منطلقاته ورؤاه بلاد الشام بصورة كبيرة.

ويذهب الباحث في نهاية الكتاب إلى أن النهضة العربية بدأت قبل حملة نابليون على خلاف ما يذهب إليه البعض في حين جاء الغزو ليوقظ الشعور القومي الذي تنامى مع الثورة الدستورية التركية بسبب سياسة الاستبداد التي مارسها السلاطين الذين ذهبت محاولاتهم لإحياء الإمبراطورية سدى نتيجة ضعف مؤسسات الدولة وإمكانياتها أمام التهديد الذي شكلته الدول الغربية الطامعة في وراثة السلطنة واقتسام البلاد التي تخضع لسلطتها.

دخول الترك

شهدت الحياة السياسية في القرنين الثالث والرابع أحداثا هامة أبرزها دخول الأتراك إلى حيز التنافس الجدي داخل الدولة العباسية وذلك عندما قام المعتصم باستبدال العرب في ديوان الجند بالترك الذين كانوا يتميزون بالبأس الشديد فانتصر بهم على الثورات التي قامت وعلى الروم مما عزز موقعهم في الدولة إلى أن استعان بهم المنتصر على قتل أبيه فآل إليهم الحكم.

المؤلف في سطور

الدكتور جوزيف كلاس طبيب وباحث سوري شارك في تأسيس أكثر من مجلة طبية وفي عضوية الكثير من الجمعيات الطبية السورية والأوروبية وقد صدرت له مؤلفات كثيرة في الطب والتراث والتاريخ العربيين منها: « مسيرة الطب في الحضارات القديمة» و « أناشيد الفردوس المفقود» و« أعلام الفكر الأندلسي » و« الحياة السياسية في العصور العربية القديمة».

مفيد نجم