يحاول الباحث إبراهيم محمود في كتابه الجديد «وإنما أجسادنا .. ديالكتيك الجسد والجليد » أن يستوضح حقيقة جسدنا الذي نسكنه من خلال علاقتنا به ومع بعضنا البعض كما يشغلنا بأطيافه وبناه وإيديولوجياته المتداخلة والمتشابكة والتي تجعله يتجلى لنا جسديات غير متآلفة، فالسؤال المركزي الذي يحاول الإجابة عليه: أين هو الجسد ؟ حيث يبحث في ساعة غرائز الإنسان الحكيمة مبينا كيف تم إساءة استعمال الغرائز عندما زاد اليقين العقلي وتم الوثوق.
وينتقل مما يمثله الرأس بوصفه يمثل حقيقة الإنسان ويرمز للقيادة والسلطة إلى دراسة الجسد في معناه بين الحركة والسكون والذي يتضمن الجوانب الفيزيولوجية والفينومينولوجية والوجودية إضافة إلى البحث في علاقة اللبس باللباس عبر البحث في معنى الحجاب والخوف من التعري كذلك يتناول العلاقة بين الوشم والعطر باعتبار الجسد مسرحا للرؤية ثم يبحث في علاقة كل من الكلام والصمت بالرثاء والموت إذ يفصح الكلام عن حقيقة جسد معين وهو يتجه نحو جسد آخر وقد دون الكلام بوصفه نشاطا يخص الذكر بينما جاء الحضور الجسدي الأنثوي تاليا ويكون محصورا في نشاط الرثاء الذي يمثل النشاط السلبي لها الذي تعبر به عن جسدها.
ويتناول الباحث إبراهيم محمود تدوين التاريخ جسديا عبر دراسة الجسد الفردي والجسد الاجتماعي ما دام البحث في وعن التاريخ يكون من خلال وعبر وفي الجسد، ومن هنا يتناول مفهوم الجسد الآدمي الحوائي بوصفه يشكل نموذجا لتلك القراءة التي تنطلق من مفهوم الجسد المزدوج أو الثنائي المتكامل باعتباره تاريخا إنسانيا ، كما يبحث في البعد الديني للجسد .
ويعتبر الباحث أبراهيم محمود إن العلاقة بين الجسد والزمن تتجلى من خلال وجودنا الذي يتجسد في الزمن ولهذا يتلبس جسدنا أشكال تصوراتنا ويحمل رهاناتنا ومراهناتنا وتكشف تلك العلاقة عن مدى فاعلية الجسد زمانيا ، كما يتحدث عن محاولات الإنسان للخروج من دائرة الزمن لاسيما في احتفالات رأس السنة كذلك يتحدث عن النموذج الشرقي الديني للزمن الجسدي.
كما يبحث الكاتب في علاقة الجسد بالرقص فيتناول أولا مفهوم الرقص المقدس رمزيا باعتبار أن الرقص يشكل انفصاما عن اجتماعية الجسد المفروضة عليه سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية ويتحدث عن مآلات الجسد فيدرس أولا دلالات اللحم الذي يعتبر بمثابة جرس إنذار للإنسان ومصدر خوفنا من الفناء والموت وذلك عبر محاور عدة يتناول فيها هويتنا اللحمية، أما لغة الاختلاف والائتلاف التي يمارسها الجسد من خلال الرقص والقناع فهي تعبر عن محاولة الجسد ابتغاء الارتقاء بمعناه.
ولذلك يتناول الرقص باعتباره حقيقة إنسانية وقيمة دلالية رمزية كما يتناول مفهوم القناع أيضا بوصفه هو الآخر حقيقة إنسانية مهيبة وعلامة متحولة. كما يتحدث عن العلاقة بين الجسد والسلطة كما تتجلى في الرقص الصوفي ليبحث بعدها في الجسد الاستعراضي بوصفه يرمز لحداثة التسلط والاستهلاك إضافة إلى دراسة العلاقة بين الجسد والبهرجة في عصر الاستهلاك والجسد والتزلج على الجليد.
الجسد والاسم
يتناول الكتاب تقنيات الجسد بين الشفاهة والكتابة والمفارقة التي تتبدى في كون الجسد مفتوحا على العالم في الوقت الذي يكون فيه منغلقا على الداخل ولهذا يحاول مقاربته في تجلياته اللغوية كما تكشف عنها المعاجم ، فالجسد لا يكتسب خاصيته الإنسانية إلا من خلال الاسم الذي به يعنون ويكون عنوانا لصاحبه يسمو به.
المؤلف في سطور
باحث سوري في مجال الدراسات الانثربولوجية متفرغ للبحث والتأليف منذ عام 2002 يحمل إجازة في الفلسفة صدرت له كتب عديدة منها : « الفتنة المقدسة والنقد والرغبة في القول الفلسفي المعاصر» و« الشبق المحرم وصدع النص» و« ارتحالات المعنى » كما نشر الكثير من الدراسات والبحوث الإنثربولوجية في مجلات عربية مختلفة.
مفيد نجم
الكتاب: وإنما أجسادنا ..الخ ديالكتيك الجسد والجليد
تأليف: إبراهيم محمود
الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2007
الصفحات : 262صفحة
القطع: الكبير

