أدونيس: الفن مثل الحب لا يكتفي الإنسان منه

أدونيس: الفن مثل الحب لا يكتفي الإنسان منه

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تفتح مقامات أدونيس أو لوحاته الرقيمة (كما أسماها) بعداً لإمكانية قراءة مفتوحة، تقدم عبر الصورة والنص للوصول إلى مدى أرحب وأوسع ربما في العودة إلى الذاكرة المتوارثة المختزنة أو في الانفتاح على مجهول المستقبل عبر أشباح تقتحم زمن القصيدة وتتماهى فيها.

معلقات تجمع المصادفة فيها بين نصوص لعمالقة الشعر العربي وبين اللعب في مساحة اللوحة البيضاء التي يحولها فن أدونيس إلى نحت بارز يخرجها من نمطية السطح المصقول للكتابة إلى بعد يتناغم معها ليخلق فضاءات جديدة للتأمل في الروح والكون، عبر انعتاق طفولي عفوي مشحون بالحيوية والفرح والاندفاع. وعن تلك الطفولة والفرح يقول أدونيس لـ «مسارات» في حفل افتتاح معرضه في هنر غاليري، «أعتقد أن ذلك يرجع إلى الطفولة النابعة من كوني لم أعش طفولة كما يقول الأطفال الذين عاشوها. فأنا ولدت في قرية فقيرة وأذكر أنني منذ ولادتي كنت في الحقل مع الشجر والنباتات والنهر، في فني أبحث عبر شيخوختي عن طفولتي المفقودة التي اقترب حزنها من حلم الفرح.

بقدر ما يتقدم الإنسان في العمر يعود في فكره أكثر فأكثر إلى طفولته خصوصا إن كانت حياته حينها صعبة ولا يخجل من تذكرها. يعود المرء إلى عمق طفولته وخصوصيتها والتي ربما يخجل في أن يحكيها لأن الأوضاع الاجتماعية والعلاقات ومفاهيم القيم تحد منها ومن أن يكون صريحا حتى مع نفسه في بعض الأحيان». وعن الحدود التي تمنع البوح والأقنعة التي يتوارى خلفها يقول، «في حياتي العديد من الأقنعة، هناك قناع لكل جزء منها. وبالإجمال فإن قناع الإنسان العربي كثيف أو متعدد الأوجه لأنه لا يعيش في ذاته بل في آلة الفارابي الذي يقول (كل موجود في ذاته فذاته له، وكل موجود في آلة فذاته في غيره). إنها الآلة المجتمعية السياسية.

ولدى سؤاله متى تنهار الأقنعة عنده أجاب: تتلاشى أقنعتي في بعض الحالات كالحب والشعر والفن. حتى الإبداع الفني عند العرب يتقنع حيث تمزق الأوراق وتعاد صياغتها عند النشر وما يكتب شيء آخر. ما نحتاج إليه هو نشر ما نكتب أي الكلام بحرية في شتى المواضيع وأن نصل إلى تلك المرحلة. فإن لم نعرف أنفسنا فلن نكتشفها ولن يعرف الآخر أيضا. وهكذا نصبح في مجتمع من المجهولات ولذا علاقاتنا محدودة. فمسافة الحرية التي يتحرك فيها العربي محدودة جدا. وبالعودة إلى مقاماته يقول، «تكوين اللوحة عندي مصادفة كالقصيدة تماما، حيث يكتب الشاعر بيتا ويظن أنه بداية لقصيدة ولكن مع عمله عليها تصبح البداية نهاية أو وسط، أي هناك كيمياء في تركيب القصيدة أو في تركيب عناصر الرقيمة أو فن الكولاج. ما من فكرة مسبقة في الفن».

وعن بدايته الفنية تلك أو ولادتها يقول، «صداقاتي واسعة مع الفنانين الموهوبين الذين كثيرا ما كتبت عنهم، وهذا يعني مشاهداتي الفنية واسعة وغنية. ومررت قبل عشر سنوات بمراحل لم أستطع خلالها القراءة أو الكتابة، ولا أعرف كيف خطر ببالي السؤال التالي لم لا أعطي ليديّ نوعا من الحرية لأعرف ما يمكنها أن تصنع؟ وهكذا بدأت بفن الرقيمة أو الكولاج.

كنت أعمل وأخبئ ما أنتجه لمدة عام. وذات يوم مزقتها جميعها، ثم عدت للعمل بأسلوب آخر، وزارني مصادفة صديق فرنسي وهو الشاعر ميشيل كامو الذي قال لي هذا العمل مهم وشجعني على الاستمرار. وهكذا عندما عرضت بعض القطع في معهد العالم العربي الفرنسي لاقت الاستحسان وشاهدها صاحب غاليري في باريس أصر على إقامة معرض لي. كما شجعني فنانون عرب منهم زياد دلول الذي كتب مقدمة لمعرضي الذي أقمته في دمشق.

وعن الفنان وحدود إبداعه يرى أدونيس أنه لا سقف للفن فهو في بداية دائمة ولا حدود له. ويضيف، «إنه مثل الحب لا يشعر المرء أبدا أنه وصل إلى مرحلة اكتفاء. الفنان العظيم بقدر ما يشعر أنه يتقدم يشعر بمسؤولية أكبر. أما التوقف عن الإبداع فهو بسبب قوالب ومفاهيم. لا يهمني أن يكتب الشاعر عن الحب بشكل العام، فهذا لا معنى له وغير موجود. الكتابة عن تجربته الذاتية وكيف تحولت أفكاره وكيف خلق عالما من خلال حالته. ذلك هو الإبداع، حيث يطرح ويتأمل ويشعر أنه بلا نهاية. إن الدخول في الأجواء الخاصة للأشياء المشتركة العامة يستنفذ الإبداع. التجربة العميقة الخاصة لا تستنفذ».

صناعة نحت الفراغ

من جهته قال الفنان التشكيلي السوري زياد دلول: إذا كان شعر أدونيس شعراً ملحمياً يسأل الكون والإنسان والجمال والصيرورة، ويحتار في نبوءة الأشياء والطبيعة، شعراً يحمل ذاكرة اللغة وفنونها وبراعتها، ويعتنق البلاغة مذهباً في الاختزال للوصول إلى الجوهر، فإن الشاعر في رسوماته يكتب قصائد غير مقروءة، يحضر العالم على سطحها بأشيائه الموشومة بأثر الإنسان أو بأثر الطبيعة. أشياءٌ - مادة للتأمل أكثر مما هي أشياء للرسم.

الشاعر يجد في خربشات الرسم سلاسة الكتابة خارج القواعد المملوءة وخارج الصرف والنحو والوزن. يجد لغته البيولوجية والحسية لا لغة القاموس والماضي والدلالات. مضيفا أن الكتابة تبقى في رقيمات وألواح أدونيس شبكات في نسيج تكوين العمل كمثلِ تهشيرات أفقية تحمل ذلك الطوطم على صدرها وفي محور بنائها، وهي عندما تكون مقروءة، مزدوجة الغرض في اختيار النص وفي الوظيفة الغرافيكية.

حوار مع المعريّ والمتنبي والنفّري، مع ديوان الشعر السالف القابع في الذاكرة. نص الآخر رسماً وسمعاً، تعقباً وتنويطاً بأدوات المرسم. فالمعرفة علبة ألوان وأقلام تعرّت من الضوء لتصير مساحات سوداء ورمادية تنظم تكوين اللوحة الأوّلي. أعمدة النصوص هي أعمدة البناء التشكيلي. أرجوحة للإطلال على ما وراء جداري حديقة الواقع: الشعر والرسم.

جَدل الكتابة الخارجة عن الكلمة مع ما تلتقطه اليد. جَدَل الفكر والملموس تحت غواية العين. ويذهب دلول في وصفه لأعمال أدونيس التشكيلية أنها تندرج في باب آخر يطرق صناعة أخرى: نحت الفراغ. هذه الأعمال الثلاثية الأبعاد استقلالية كاملة عن الكتابة. وهي ليست نحتاً وإنما هي تركيب نحتيٌّ لكل ما تلتقط يده، ولكلِّ ما يسمح بتشكيله لاحتلال فضاء منمنم.

مستطردا : إنها أعمال لا تدّعي النصبية ولا تسكن الساحات والشوارع، بل تعتلي منصّات الطاولات والشبابيك ومحطات القراءة. تركيبات تتجنب الصقل والتزويق والحرفة، وتؤالف مواد غير متآلفة، يوحدها منطق الإنشاء وضرورة التناسق، قانونها دادائي وجذورها في الإيحاء والإشارة. مَثَلُ أدونيس في ذلك مَثَلُ صانعُ دمى لعبادة الريح، أو صانع صناديق ثمينة لحصى الأرض والوديان والشواطئ، لبازلت كريم أو لفخار مُبتَذَل.

ويخلص دلول إلى القول ان: عمل أدونيس التشكيلي يأتي في باب اللَّعِب كمثل سائر الفنون. وفي تحديدٍ آخر، لا ينفصل عن تقنية الكتابة بمعناها الكبير. فإذا كانت الكتابة في نشأتها الأولى تجريداً وترميزاً فهي رسمٌ في حالتها المطلقة. مختتما: يلاحظ الرسّام: ما أكبر سرير القصيدة في الكتاب وما أعلى منبر الشاعر؛ ألم يحنْ وقت عودة القصيدة إلى الجدار؟

أدونيس وبرج دبي

خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الشاعر أدونيس إلى دبي كان له العديد من الأنشطة الثقافية والأدبية والفكرية، حيث أقام معرضا له في صالة «هنر غاليري» تحت عنوان «مقامات أدونيس» كذلك كان له مشاركة في الملتقى العربي الألماني الذي أقيم في فندق ميناء السلام منذ أسبوعين في دبي، وشارك في الكثير من الفعاليات التي أقيمت على هامش الملتقى، وبعد عودة الشاعر إلى فرنسا حيث يقيم في باريس منذ سنوات مع عائلته كتب مقالا في صحيفة الحياة الصادرة في لندن استهله بالقول: بين 26 تشرين الأول (أكتوبر) و10 تشرين الثاني (نوفمبر)، تَيسّر لي أن أرى ثلاثة أماكن تمثّل، بالنسبة إليّ، ثلاث رؤى للإنسان والعالم، وثلاثة نماذج لصناعة التاريخ :

الأول هو البندقية (فينيسيا، إيطاليا) والثاني هو المعبد البوذي، بورو بودور (BORO BUDUR)، في مدينة جوجاكارتا (أندونيسيا)، والثالث هو برج دبي (دبي، الإمارات العربية المتحدة). وأضاف أدونيس قائلا في مقاله الهام: يسير النموذج الأول في أفق الوحدة بين الأبديّ والزائل، وهو الأفق الكلاسيكي السائد، ويسير النموذج الثاني في أفق السماء محضونةً بِكَبِد الأرض، ويسير النموذج الثالث في أفُق التقنية.

وتحت عنوان فرعي « إشارات من برج دبي» تابع أدونيس كلامه بلغته النثرية والفاتنة

تحارُ أمام برج دبي:

هل الشعر هو الذي يأخذ أسراره من التقنية،

أم أنّ التقنية هي التي تأخذ أسرارها من الشعر؟

ويتابع أدونيس :

العودة إلى الطفولة حلمٌ دائمٌ وعزيزٌ عند معظم البشر.

هنا، في برج دبي، ما يُغري بالتأسيس لقطيعة كاملة بيننا وبين هذا الحلم.

ما معنى، إذاً، أن نقول: الهوية ليست في «الأصل»، بل في مسيرته، وما يتولّد عنها؟

وإذا كنّا لم نجئ من ماضٍ، فكيف وصلنا إذاً إلى الحاضر، ومن أين جئنا؟

أليس علينا إذاً أن نؤمن بأن الإنسان يحتاج إلى ولادات متعددة ومتواصلة لكي يكون نفسه؟

أليس علينا كذلك، إن شئنا أن نقرأ حقاً، أن نبدأ فنُقصي عنّا، بعناية وإتقان، عدداً كبيراً من الكُتب؟

ويختتم مقالته بالقول :

ليس هناك حظٌّ يهبطُ عليك من خارج: من الواقع، أو من الغيب.

أنت نفسك حظُّ نفسك.

اختراع الورق

نشأ فن الكولاج في الصين عندما تم اختراع الورق في القرن 200 ق.م تقريبا. ومع ذلك ظل هذا الفن محدودا حتى القرن العاشر للميلاد حين بدأ الخطاطون في اليابان باستعمال مجموعة من قصاصات الورق ليكتبوا على سطحها أشعارهم.

أما ظهور هذا الفن في أوروبا فكان في القرون الوسطى خلال القرن الثالث عشر، عندما بدأت كاتدرائية غوثيك باستخدام لوحات تصنع من أوراق الأشجار المذهبة والأحجار الكريمة وبعض المعادن الثمينة في اللوحات الدينية. واستخدم الكولاج في القرن التاسع عشر بين أوساط هواة الأعمال اليدوية لصناعة التذكارات مثل ألبومات الصور والكتب. وقد اخترع اللفظ كولاج الفنان جورج براك وبيكاسو في بداية القرن العشرين عندما أصبح الكولاج جزءا مهما من الفن الحديث.

أدباء.. فنانون

* ويليام موريس (1834 ـ 1896) أديب وفنان ومهندس عمارة بريطاني، اشتهر بتصميمه لفن زخارف ورق الجدران الذي كان فنا جديدا، كما أسس مجلة أوكسفورد وكامبريدج للأدب

* دانتي غابرييل روزيتي (1828 ـ 1882)، شاعر ورسام ومترجم بريطاني من أصل إيطالي برع في كلا المجالين، وكان من ضمن مجموعة فنانين أخوية ما قبل رافاييل.

* جبران خليل جبران بن ميخائيل بن سعد، من أدباء المهجر وهو شاعر لبناني أميركي (1883 ـ 1931). سافر مع أمه وإخوته إلى أمريكا عام 1895، درس فن التصوير وعاد إلى لبنان، وبعد أربع سنوات قصد باريس لمدة ثلاث سنوات، وهناك تعمق في فن التصوير. عاد إلى الولايات الأمريكية المتحدة مرة أخرى وتحديدا إلى نيويورك، وأسس مع رفاقه «الرابطة القلمية» وكان رئيسها. من أشهر أعماله كتاب النبي والأجنحة المتكسرة وغيرها.

قصايد غير مقروءة

لوحات الشاعر أدونيس هي رسومات يكتب قصايد غير مقروءة، يحفر العالم على سطحها بأشيائه الموشومة بأثر الانسان أو بأثر الطبيعة. أشياء ـ مادة للتأمل أكثر مما هي أشياء للرسم.

رشا المالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات