ما الذي يجعل من حفلة ما حفلة حقيقية؟ «الأصدقاء»،على حد تعبير الكاتب البرازيلي باولو كويلو صاحب الابتسامة اللاتينية الرقيقة التي لا تفارق محياه وتنيره.

هاهم الأصدقاء هناك، يتحلقون حوله من حدب وصوب في الحفلة التي عمدها بنفسه بعيدا عن أي تحفظات، على غرار الحفلة الخاصة بالنسخ المئة مليون الأولى المباعة من أعماله حول العالم، حفلة بدأت عند الساعة العاشرة من ليلة 15 أكتوبر الماضي في نادي «كنغ هاماهيميها» في فرانكفورت لكن أحدا لا يريد البوح بالوقت الذي أطفأ فيه آخر قناديلها. كويلو يبدو مزهوا بنفسه ولديه من الأسباب الكثير ليخالجه ذلك الشعور، مع أن الحفلة لم تكن من أجله وحده، بل إنه خطط لها بنفسه على أن يحضرها ولأول مرة ناشرو كتبه الستون المنتشرون في جميع أرجاء المعمورة، بدءا من الأرجنتين حتى فلندا، والذين مدوا أيديهم إلى وسائل الإعلام الأدبية الألمانية التي عمدت الكاتب البرازيلي ووصفته بأنه «دالاي لاما الأدب».

لكن كويلو خطط للحفلة بغية للتعبير عن امتنانه، في المقام الأول، لقرائه ومعجبيه وثلاث شخصيات أحبته إلى درجة العبادة هم زوجته كريستينا أويتيسيكا، ناشرته ماريا أنتونيس وجيلبيتو جيل الصديق الذي يعرف باولو كويلو منذ الأوقات الأولى التي كان الكاتب يؤلف فيها نصوصا اجتماعية لأغاني الملحنين في منطقة «سلفادور دي بائيا» والذي يعتقد أن الفارق الكبير الوحيد بين كويلو تلك الفترة والكاتب الناجح الذي نعرفه في يومنا هذا يكمن في أن «باولو اليوم سعيد بصورة هائلة وماجنة». لكن سعادة كويلو أخذت بعدا خاصا عندما بلغت الحفلة الفرانكفورتية ذروتها إثر مفاجأة فجرها ممثل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، الذي مد يده للكاتب وسلمه شهادة تحتوي على رقم قياسي آخر تقول إن أعمال مؤلف رواية «الخيميائي» هي الأكثر ترجمة إلى أكبر عدد من اللغات حول العالم.

يصعد كويلو إلى منصة تشبه خشبة مسرح لاستلام الشهادة، يتناولها من يد ناشرته مونيكا، يعبر عن امتنانه ويبكي، يخفض رأسه ويترك دمعة تجري.عندما انتهت كلمات الاحتفاء والتكريم، يعتلى الموسيقي البرازيلي جيلبيرتو جيل خشبة المسرح، يعانق كويلو ويغني الاثنان معا نسخة بديعة من أغنية بوب مارلي «نو وومن نو كراي».

تبلغ الحفلة لحظتها المثلى، عاطفة كويلو تبدو موصولة بسكينة الروح التي يقول إنه وجدها منذ اليوم الذي قرر فيه البحث عن نفسه في الرحلة التي قام بها إلى سانتياغو دي كومبوستيلا وقرر أن يصبح كاتبا رغم كل العقبات والصعاب. «ترى كم حياة أنقذ أدب كويلو؟» يتساءل بنبرة تتأرجح بين التهكم والاقتناع صحافي نمساوي يقول إنه يجد نسخة من أعمال كويلو في كل بيت يزوره في بلاده.

«تلك هي الأشياء التي لا يعرفها أحد على وجه الدقة، لكن بماذا أنقذ نفسه بعد سيرة بهذا الحجم»، يجيب ناشر لاتيني. جميع المحادثات تدور بشكل أو بآخر باتجاه ذلك المنحى وكويلو نفسه، بينما يبتسم ويستمتع ويمتع وهو محاط بأصدقائه وساحرته وملهمته. كل شيء منوط بهما ويتمحور حولهما. وبحسب منظمو الدورة ال60 لمعرض فرانكفورت للكتاب، الذي يعد أهم منبر عالمي في ميدان صناعة النشر، والتي جرت فعالياتها في النصف الثاني من أكتوبر الماضي، فإن مبيعات الكتب الرقمية ستتجاوز في عام 2018مبيعات الكتب الورقية.

باولو كويلو، الذي يعد أحد أكثر الكتاب نجاحا في يومنا هذا، مؤمن بمزايا الكتاب الافتراضي. «الناشرون يعتبرون الإنترنت عدوا عوضا عن رؤية الوسائط الجديدة على اعتبار أنها تشكل فرصا جديدة للسوق»، على حد تعبير كويلو الذي يعرب عن أسفه حيال هذه النظرة الخاطئة مؤكدا أن وضع كتبه على شبكة الانترنت مجانا لا يؤدي إلا إلى زيادة مبيعاتها.

«كلما أعطيت أكثر، حصلت على المزيد»، هذا ما يؤكده الكاتب البرازيلي، الذي بلغت مبيعات كتبه مليون نسخة حول العالم. وفي أروقة معرض فرانكفورت للكتاب، أظهر الجميع رغبة في استعمال جهاز يدعى «كايندلي»، وهو قارئ للكتب الإلكترونية يباع من خلال موقع أمازون على شبكة الانترنت والذي يحقق نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة. وهناك أجهزة أخرى منافسة له أهمها جهاز «إي- ريدر»، الذي تصنعه شركة «سوني» اليابانية، وجهاز «ريدوس بوليمر فيجن» المذهل، الذي يمكن طي شاشته ولفها مثل جلد الرق.

بعض الخبراء الذين حضروا هذه الفعالية يعتقدون أن تلك الأجهزة تلاقي إقبالا كبيرا من قبل الجمهور وتحقق نجاحا كبيرا يمكن مقارنته بالنجاح الذي حققه الجهاز متعدد الوسائط الذي أنتجته شركة «آبل». ويوضح فران دوبيرويل وهو عضو في الاتحاد العالمي لأصحاب المكتبات، أن «أصحاب المكتبات سيضطرون لإغلاق مكتباتهم إذا لم يتبنوا الثورة الرقمية».

مع ذلك، فإن الآن إيدلر، ممثل الجمعية الأميركية للناشرين، يحذر من وجود خطر حقيقي من ارتفاع معدلات قرصنة الكتب عندما تعرض بشكلها الرقمي أمام عامة الناس. ولتدعيم وجهة نظره، فإن إيدلر يستعين بالمثال المتعلق بصناعة الاسطوانات الموسيقية والسينمائية ويتساءل: «ما الذي سيحدث في حال وضعت كتبا بكاملها على الشبكة من دون تصريح؟».

بيد أن العديد من العاملين في صناعة النشر يتذكرون أنه على الرغم من الإعلان مرات عديدة عن الثورة الرقمية، إلا أنها لم تبدأ بشكل فعلي حتى الآن إلا في الولايات المتحدة وربما في الصين فقط. مصنعو هذا النوع من الأجهزة يقولون إنه من الممكن مع ظهور الكتب الرقمية إضافة عناوين جديدة في أي مكان وفي أي لحظة عن طريق شبكة لاسلكية. في الواقع أصبح من الممكن فعليا اختيار أعمال من كتالوج فيه آلاف العناوين مثل كتالوج شركة أمازون في الولايات المتحدة، الذي يعتمد على 185 خيارا على أقل تقدير.

كل ذلك يتم تنفيذه في جهاز لا يتجاوز حجمه حجم كتاب الجيب، ورفاهية القراءة فيه تحسنت إلى حد كبير منذ أن تم اختراع تقنية جديدة تدعى «الحبر الرقمي». بيد أن إحدى المشكلات الرئيسية التي لابد من حلها كي يتمكن هذا النوع من الانجازات من شق طريقه صعودا هي مشكلة اللغة، ذلك أن الجزء الأكبر من الكتب الرقمية مكتوبة بالإنجليزية. عقبة أخرى ذات طابع تقني تكمن في تنوع حجم الكتب الإلكترونية.

على الرغم من أن الخبراء يشيرون كذلك إلى أن تكلفة هذه الأجهزة تشكل عاملا آخر من العوامل التي يمكن أن تحد من تقدمها في يوم من الأيام، إذ يقول فران دوبريل إن «الأجهزة القارئة للكتب باهظة الثمن»، حيث يبلغ سعر الواحد منها في الوقت الحاضر حوالي 400 دولار، يضاف إليها القيمة التي يجب دفعها مقابل العناوين الجديدة، وهي قيمة قد تماثل قيمة الكتاب الورقي.

كويلو والانترنت

للكاتب البرازيلي باولو كويلو ، الذي ترجمت أعماله إلى 45 لغة وبيعت في أكثر من 100 بلد، موقع على شبكة الانترنت بخمس لغات (الإنجليزية، الفرنسية، الاسبانية، الإيطالية، ولغته الأم البرتغالية، حيث اعتاد على نشر أجزاء من أعماله الأدبية حتى قبل صدورها ورقيا في بعض الأحيان ، وهي محاولة جديرة بالاهتمام يرمي من خلالها مؤلف «ساحرة بورتوبيلو»، الذي يكتب مقالة أسبوعية في صحيفة «البيان»،إلى إيجاد صلة مباشرة بين الكاتب والقارئ. وربما لهذا السبب قرر كويلو عن قصد صرف النظر عن الملاحق الثقافية وما إلى ذلك من مطبوعات متخصصة في الميدان الثقافي وجعل قراءه أول من يحكم على بعض أعماله.

الكتب الرقمية هي إصدارات رقمية للكتب الورقية وتتميز بسهولة حملها ونقلها وكذلك البحث فيها، كما أنها تشغل مساحات أقل بكثير مما تتطلبه الكتب الورقية، يمكنك أن تستخدم معها إضافات خاصة كي تتناسب مع احتياجاتك كمثل إضافة تحويل النصوص إلى كلام منطوق والكتب الرقمية أقل تكلفة وعملية تبادلها بين القراء أسرع.

باسل أبو حمدة