يتمتع الكتاب بأهمية استثنائية في التراث الثقافي العربي، فقد قال فيه المتنبي في عجز أحد أبياته «وخير جليس في الأنام كتابُ»، بينما مدحه الجاحظ، الذي توفي في صومعته إثر وقوع الكتب عليه، بالقول «نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعدة، ونعم العشرة والنزهة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة في بلاد الغربة»، بيد أن هذا الكتاب قد نزل من عليائه وراح يستقر على أرصفة المدن العربية من القاهرة إلى بيروت ومن دمشق إلى بغداد في ظاهرة تسمى ظاهرة «كتب الأرصفة»، فهل هي ظاهرة حضارية تنطوي على احترام للكتاب، أم أن رفوف المكتبات المنزلية قد ضاقت بـ «خير جليس» فراحت تلفظها بعيدا لتحل محلها الأقراص المدمجة؟
رغم الأزمات الكثيرة التي يعانيها العالم العربي، ومن ضمنها أزمة الثقافة والكتاب، غير أن ذلك لا يقلل من قيمة الكتاب كإحدى الوسائل الراقية في نقل الثقافة الجادة إلى القارئ، ذلك أن الكتاب يتمتع بخصوصية لا تتوفر للوسائل الأخرى، فهو الوعاء الذي يحمل بين سطوره وهج الإبداع، وخلاصة التجارب، وأطياف الماضي، وحيوية الحاضر ويمضي بالقارئ إلى حدائق الكلمة، ورياض الحرف، ووهاد الأحلام...مانحا إياه زادا ثقافيا لا يدرك قيمته إلا من سهر الليالي، وغاب ذات يوم في بحر السطور باحثا عن لباب المعرفة الحقّة، ومهما قيل عن تراجع دور الكتاب في حياتنا الثقافية.
وتتنوع أشكال بيع هذا «الجليس الخيّر» إلى القارئ، ولعل أكثر طريقة تلفت الانتباه هي ظاهرة «كتب الأرصفة» التي تنتشر في معظم عواصم ومدن العالم، ومنها العربية بالطبع، وربما كانت القاهرة هي المدينة الأبرز التي تنتشر فيها هذه الطريقة، فعلى امتداد سور الأزبكية تنتشر هذه الظاهرة التي يصفها المثقفون بـ «الحضارية»، و«المحببة»، فهي تمثل نافذة واسعة ومنفتحة على مختلف الثقافات، وهي لا تحتاج كما يقول البائعون إلى أي خبرة في مجال العلاقات العامة، فالكتب توضع بطريقة عشوائية على الرصيف، أو تعلق على الأسوار أمام نظر المارة الذين يقفون لبرهة يستطلعون العناوين التي تغفو بصمت وسط غبار الأرصفة، فيقتنونها بأسعار زهيدة لتعانق العيون المتعطشة إلى المعرفة.
من أرسطو وفوكوياما... إلى فنون الطبخ والتنجيم!
على امتداد الشارع الذي يربط بين كلية الحقوق وساحة الحجاز، وتحديدا في منطقة الحلبوني وتحت جسر فيكتوريا وسط دمشق تطالعك مجموعة هائلة من العناوين في مختلف حقول الفكر، والأدب، والنقد، والدين، والتراث، والفن.. كتب فلسفية، وأدبية، ونقدية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية.. كتب عن المسرح، والفن التشكيلي، والسينما، وفنون الطبخ، والأزياء، والشعوذة، وطرائق السحر، والتنجيم، وتعليم اللغة الأجنبية،
وبنظرة عابرة وسريعة ترتسم أمام عينيك أسماء فلاسفة، وأدباء، وباحثين من أرسطو، وأفلاطون إلى هيغل، ونيتشه، وفرانسيس فوكوياما، وصموئيل هنتغنتون، ومن سرفانتس، وهمنغواي، مرورا بنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وطه حسين، وعبد السلام العجيلي، وادوار الخراط، وصولا إلى ميلان كونديرا، وإدوارد سعيد، وعبد الرحمن منيف، وغابرييل غارسيا ماركيز، وإيتالو كالفينو وسواهم...ومن النابغة الذبياني، وجرير، والمعري، والمتنبي وأبي تمام مرورا بأحمد شوقي، والرصافي،
والجواهري، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وجبران خليل جبران وصولا إلى نزار قباني، وصلاح عبد الصبور، والسياب، ومحمود درويش وغيرهم، وليس غريبا أن تجد، إلى جانب مؤلفات هذه الأسماء الكبيرة، كتبا هابطة المستوى حول فن الطبخ، والشعوذة، والريجيم.. باختصار تعثر على خلطة عجيبة من الكتب المختلفة لا تجمعها سوى الأرصفة التي يفترشها الباعة مكانا لبيع سلعتهم المعرفية في طريقة تسمى ظاهرة كتب الأرصفة في دمشق.
وعلى عكس الكتب الأنيقة والنظيفة الموضوعة بعناية على الرفوف في مكتبات «ميسلون»، و«نوبل» و«النوري»... وسواها المعروفة في دمشق، فان كتب الأرصفة تكون غالبا ممزقة الأوراق وباهتة الألوان، ذات غلاف مهترئ، وتعج صفحات بعضها بالكلمات والخطوط والإشارات، كما أن الصفحة الأولى في هذه الكتب غالبا ما تحمل إهداء من المؤلف لشخص ما، لكن ذلك لا يقلل من حماسة القارئ المتطلب الذي يبحث عن الكتاب بسعر زهيد يتناسب مع دخله المحدود.
«جميع الكتب التي في مكتبتي اشتريتها من باعة الأرصفة»، يقول أستاذ التاريخ إسماعيل محمد الذي يبرر ذلك بقوله: «دخلي المحدود لا يخولني شراء كتب بأسعار عالية، كما هي الحال في المكتبات، فالكتاب الذي اقتنيه من الأرصفة يرتفع سعره إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر في المكتبات»، ويتفق مع هذا الرأي الصحفي محمد أمين حمادة الذي يزيد بان «الكتب التي تعرضها المكتبات هي حديثة في الغالب أما الكتب التي تعود طباعتها إلى سنوات خلت فلا أجدها إلا لدى باعة الأرصفة البسطاء والطيبين في التعامل».
ويقول أحد الباعة في رده على سؤال حول مصدر كتبه: «مصدر هذه الكتب هي المكتبات المنزلية التي يضطر أصحابها إلى بيعها إما بسبب السفر والهجرة، أو بسبب ضيق المكان لديه، أو ضيق ذات اليد وسط الظروف المعيشية الصعبة، فالكثير من المثقفين يضطرون لبيع كتبهم، وهي ثروتهم الوحيدة، عند الوقوع في ضائقة مالية، كما أن ورثة بعض المثقفين الذين لا علاقة لهم بالكتاب، ولا يقدرون قيمته يبيعون هذه الثروة المعرفية التي يعتبرونها «إرثا ثقيلا يشوه منظر صالوناتهم المخملية».
وقد أشار أحد الباعة الذي عبر عن سعادته بهذا العمل، لأنه يتعامل مع شريحة مثقفة لا تساوم كثيرا، فالشريحة التي تتعاطى مع الكتاب هي، في غالبيتها، تتعامل بلطف وتهذيب الأمر الذي يشكل العزاء للبائعين في وقوفهم المرهق طوال النهار على الأرصفة، وفي كل الفصول، خصوصا وان فرص عمل أخرى غير متوفرة، بل أن أحد الباعة قال بأنه «لن يرضى بأي عمل آخر حتى لو كان مردوده الاقتصادي أكبر»، فهو اعتبر بيع الكتب على الرصيف «ظاهرة جميلة ترفد الثقافة»، ورأى بان عمله «يخدم الثقافة والفكر، وهذه مهمة تنطوي على النبل» حسب تصوره.
ولئن بدأ هذا الرأي غريبا حين يصدر من بائع بسيط، فإن معرفة مستوى الباعة الثقافي تجعل هذا الرأي معقولا، لأن اللافت للانتباه أن معظم هؤلاء الباعة قد حصلوا على الإجازة الجامعية، فمن بين من رأيناهم كان هناك أستاذ مدرسة متقاعد، وآخر متخرج من كلية الآداب، وثالث تخرج من كلية الحقوق، ورابع يكتب الشعر، وبعضهم ينشر مقالات في الصحف...
فيما قال أحد الباعة «بدأت قارئا للكتب وانتهيت بائعا لها»، وهم لا يخفون استياءهم من الوضع المتردي الذي وصل إليه الكتاب في ظل انتشار ثقافة الصورة المتمثلة في الفضائيات، والإنترنت، وغيرهما من وسائل العولمة الثقافية التي تلامس سطح الظواهر والقضايا دون الولوج إلى الأعماق، ولا ريب أن التبحر في المعرفة، والتعمق في جذور القضايا والإشكاليات، والتعرف على النقد الجاد والتحليل الرصين لا يتحقق إلا عبر أداة واحدة هي الكتاب.
ورغم السعر الزهيد لكتب الأرصفة والذي يكون في الغالب حوالي مئة ليرة سورية (الدولار الأميركي يعادل نحو 46 ليرة سورية) فهي تباع تقريبا بربع القيمة المثبتة على الغلاف، إلا أن الباعة يشكون من قلة الزبائن ولكن العدد لا يهبط إلى الحد الذي يمكن معه اختفاء هذه الظاهرة، ومن هنا ستظل هذه الظاهرة قائمة كفسحة توفر الكتاب لعقول تدرك قدسية الحرف، ولاشيء يعكر مزاج الباعة سوى «بلدية محافظة دمشق» التي تسبب الإزعاجات لهم بحجة أن كتبهم «تعيق المرور، وتؤذي منظر الشارع»،
ذلك أن الرخص الممنوحة للباعة، من قبل المحافظة، لممارسة هذا العمل تشترط «بسط الكتب بطريقة لا تعيق مرور المشاة». ويطالب الباعة بوجوب الاعتراف بهم رسميا، واعتبار مهنتهم «مهنة تثقيفية تعود بالفائدة على المواطن»، وبالتالي السماح لهم للقيام بعملهم بحرية ودون أي إزعاج، كما هي الحال في البلدان المتطورة التي تخصص شوارع معينة لبيع الكتب.
ومع كل ما يقال فان هذه الظاهرة لن تختفي ذلك أن السحر الغافي بين دفتي الكتاب سيبقى ملاذا لعقول، وعيونا لا تمل من معانقة «خير جليس»، ولعل تلك العلاقة الأليفة الخاصة التي تربط بين القارئ والكتاب، تكتسب طابعا أكثر قدسية ونقاء حين يكون الكتاب قديما، ويحمل أنفاس وأطياف قراء آخرين تركوا بصماتهم وخطوطهم المتعرجة على الصفحات التي أرهقتها العيون النهمة إلى المطالعة!!
خير جليس
إن الكتاب القيّم يثبت حضوره، ولعل قراءة بسيطة لنسب مبيعات الكتب، ومعارض الكتاب التي تقام هنا وهناك للاحتفاء به، وتكريم الكتاب المتفوقين، ماديا ومعنويا، عبر الجوائز المختلفة مثل جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة سلطان العويس، وجائزة الرواية في مصر، وجائزة البابطين...وغيرها كل ذلك مؤشرات على أن الكتاب لم يزل «خير جليس».
روافد الأرصفة
المصدر الذي يرفد هذه الأرصفة بالكتب هو دور النشر التي تتوقف عن النشر والتوزيع لسبب أو لآخر فتبيع ما لديها من كتب بأسعار زهيدة، كما أن بعض المكتبات العامة التي يعتزم أصحابها إغلاقها تحاول التخلص من كتبها التي تستقر كذلك على الأرصفة، إضافة إلى هذه المصادر فان أحد الباعة قال بأنه يحصل على «بعض الكتب من عمال النظافة الذين ينتشلونها من حاويات القمامة»!!
زبائن كتب الأرصفة
يتنوع زبائن كتب الأرصفة بتنوع المارة في الشارع، فهم ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة، وإلى فئات عمرية متفاوتة، ومن الجنسين: موظفون، كتاب، نقاد، شعراء، طلاب، صحفيون، محامون، مهندسون، أطباء، أساتذة جامعات.
إبراهيم حاج عبدي


