في واحد من معانيها فإن الزينة هي الجمال.. والجمال هنا ليس بوصفه شكلاً خارجياً تماماً، إنما من مظاهره روح طرية من مفردات الحياة الكثيرة التي تزخر بكل ما هو مثير وجميل ولافت للنظر. والزينة ستبدو مظهراً خارجياً إذا انفلتت من هذا الإطار وصارت نوعاً من أنواع الكماليات الموسمية أو المناسباتية أو المؤقتة.
فالمرأة تحتاج إلى الزينة كي تبدو في مظهرها أكثر انسجاماً مع روحها، وكذا الرجل، لا من أجل المظهرية الشخصية، وهي مطلوبة، إنما من أجل تحقيق رغبة ذاتية في النفاذ إلى الحياة من وجهها الآخر. البيت هو الآخر شخصية مستقلة له ما لنا من متطلبات مظهرية وروحية. ليس الأمر غريباً بل هو في صميم حياتنا. ولنتأمل بشكل عابر ما الذي يريده البيت من زينة كي نقف على شخصيته الاعتبارية؛ فغرفة النوم تحتاج إلى زينة. وصالة الاستقبال هي الأكثر جاذبية كونها تستقبل الآخر وبما يعطي انطباعاً جمالياً لديه عن روح أهل البيت وتعاملهم مع الديكورات المنتشرة هنا وهناك، حتى الحمامات تحتاج إلى نوع من أنواع الترتيب المظهري ليتطابق مع روح البيت بشكل عام.
المطبخ هو الآخر يستوعب أي ترتيب جمالي ينظّم مفرداته المطبخية لربة البيت، كما أن الطعام اليومي هو زينة شهية للأسرة التي تتعامل باتيكيت قائم على مواد غذائية تعرفها ربة البيت وتعرف كيف تتعامل في تطويعها إلى وجبة شهية إما بطريقة الطبخ وإما بإضفاء لمسات جمالية تثير المعدة، فست البيت قادرة على أن تنفذ إلى معدة زوجها بهذه الطريقة التزيينية السهلة!
من الباب إلى آخر البيت
بنظرة سريعة إلى جماليات البيت وزينته سندخل من بابه الأول وهو الباب الذي يحفظ أسرار الدار وساكنيها. الباب مفتاح البيت وزينته الأولى. ثمة أبواب مبهرجة بالألوان وأخرى تعتمد الخط العربي أو الرسوم. أبواب من حديد أو من خشب هي علامة البيت وجماله الجاذب.
تأتي الحديقة بموازاة الباب. وعلينا أن ننتصر لقيمة الحديقة بداية، فكل الحدائق جميلة مهما صغرت أو كبرت وزينتها من الطبيعة التي ولدتها. والكثير من الحدائق مزينة بهندسة بسيطة تنظّم انسيابيتها من ممرات أو مساحات تبعاً للمساحة التي تشغلها.
الفلاح صديق الحديقة والعارف بأسرارها. وربة البيت تنظر إليها من وجهة الزينة التي عليها أن ترفدها بها، لذا تجد الكثير من المزهريات مصفوفة على المماشي الصغيرة والممرات كزينة رافدة للحديقة الأم. أما إذا كانت الحديقة تشغل مساحة كبيرة، فستدخل جماليات إضافية عليها هندسياً وجمالياً لإبراز وجهها الجميل، كالصوابيط والأعراش والدواليب للأشجار المتسلقة والنشرات الضوئية التي تضفي لوناً ناعماً عليها ليلاً.
صالة الاستقبال
صالة الاستقبال الوجه الداخلي للبيت ولعلها أكثر موجودات البيت أهمية لربة الأسرة ؛ فالزينة هنا زينة مقصودة وربما هي مرهقة لميزانية الأسرة كونها حاضنة للآخر ? الضيف الذي تنشغل عيناه بمفردات متعددة تكشف مدى ارتياحه وما تضفيه عليه من حُلل جمالية.. سجاجيد صغيرة تغطي أرضية الصالة. صورة الجد المتوفى كرمز ما؛ عشائري أو قبلي أو سياسي؛ صورة الأب الغائب.
لوحة فنية أو لوحتان لفنان مجهول. مكتبة تصطف وراءها مجلدات ربما لم تقرأ حتى كتابة هذه السطور! ثريات عنقودية تتدلى أضواؤها على رؤوس الضيوف. كنبات ثمينة مغطاة بشراشف لمّاعة تعكس لون العناقيد الضوئية. أصص لنباتات ظلية تُسقى بأباريق نحاسية. تماثيل خشبية مجلوبة من أسفار متعددة. مرايا صغيرة تتناوب في اللمعان والبريق.
ستائر الساتان وهي تشف عن أضواء خارجية تعادل الظل في الصالة وتحيي فيه روح الحياة. أشكال أخرى صغيرة منثورة هنا وهناك لإشغال كل مساحة متروكة في الصالة. حوض الأسماك ظاهرة تزيينية تترك أثراً جميلاً في النفوس، فالسمك الملون الصغير المحشور في حوض زجاجي يركز الانتباه إلى حركته الدائبة، وألوانه المتقاطعة تترك حركة لونية أثيرة تشد الأنظار إليه.
المطبخ معدة الرجل
من الباب إلى الحديقة إلى صالة الاستقبال ومن ثم إلى معدة الرجل: المطبخ؟ وهذا هو الشغل الشاغل لربة البيت. وهو الحاضنة الأخرى لنساء قادمات يرين في المطابخ ما لم يرينه في مطابخ أخرى. صحيح أن مواد المطابخ متشابهة في عناصرها، لكن ربة البيت حريصة على أن تضفي زينتها ولمستها التي لا تريدها أن تشبه زينة المطابخ الأخرى، وكالعادة فإن الزهور والورود تنتشر في أصص قريبة من الضوء وربما كانت هناك أشرطة زهور صناعية تتسلق سقف المطبخ..
الكراسي يجب أن تكون جاذبة بشكلها ومنضدة الطعام نظيفة إلى حد الإبهار وكل شيء جاهز مستكين إلى وضعه. ثمة من النساء تجد زينة مطبخها في تغيير منضدة الطعام بين فترة وأخرى لقتل روتين الجلوس في مكان معتاد قد يترك الملل برتابته اليومية. وثمة أخريات يلجأن إلى تغيير الكراسي أو شراشف الطعام والملاعق والصحون لتحويل المعتاد اليومي إلى معتاد آخر يغير في الأمزجة وربما يدفع بالشهية.
غرفة النوم
لغرفة النوم حكاية ما ؛ فهي المهج والمرتع وسر الحياة وديمومتها. القصة معروفة، وزينتها لا يغفل عنها أحد، لاسيما المرأة التي تجد فيها علاقة روحية تضامنية متنامية في داخلها. ليس الأمر متعة خارجية بوظيفة جسدية، لكنه متعة الحياة بكاملها. فغرفة النوم تعويض عن المفقود في داخل الفرد. استكانة ملحة لأجساد أنهكها نهار طويل وحار.
ولا تبدو زينتها كبيرة تماماً إلا بالقدر الجمالي الطبيعي الذي يعطي نكهة روحية لأفراد يخلدون إلى النوم. ستائر غامقة مزهرة: وهذا من أولويات التستر وإضفاء القناع لمنع الآخر من استشفاف مكونات غرفة النوم. سرير وأغطية تتطابق أشكالها نسبياً مع الستائر الغامقة. خزانة ملابس صامتة.. النوم صمت أيضاً..؟
تعويض عن المفقود
غرفة النوم تعويض عن المفقود في داخل الفرد واستكانة ملحة لأجساد أنهكها نهار طويل وحار. ولا تبدو زينتها كبيرة تماماً إلا بالقدر الجمالي الطبيعي الذي يعطي نكهة روحية لأفراد يخلدون إلى النوم.
متطلبات مظهرية
البيت شخصية مستقلة له ما لنا من متطلبات مظهرية وروحية. ليس الأمر غريباً، بل هو في صميم حياتنا. ولنتأمل بشكل عابر ما الذي يريده البيت من زينة كي نقف على شخصيته الاعتبارية..

