تزيين وتزويق وتجميل وتحسين مظهر مرافق الحياة والأشياء التي يستعملها الإنسان في حياته اليوميّة، بدءاً من المسكن ووسيلة النقل التي كانت مقتصرة على الحيوانات المدجنة ثم أصبحت تشمل العربة والدراجة والموتوسيكل والسيارة والقطار والباخرة والطائرة وانتهاءً بأثاث المنزل وجدرانه وواجهاته وأدوات المطبخ والراديو والتلفاز... الخ

ظاهرة قديمة ـ جديدة في حياة الكائن البشري، تبدلت وتطورت العناصر والأشياء التي طاولتها هذه العملية، وكذلك وسائلها وتقاناتها، لكنها لم تتبدل مدلولاتها ورموزها وأهدافها التي تعكس، الرغبة القديمة ـ الجديدة لدى الإنسان، بتجميل حياته وخلق مبررات جديدة ودائمة تدفعه للاستمرار فيها. ثم تحوّلت بعض هذه الإضافات، إلى نوع من التمائم والرقى، أراد بها دفع الشر عن هذه النِعَم، وحفظها وحمايتها، لتستمر في خدمته ورعايته وتجديد حياته. فقد قام الإنسان، منذ صيرورته الأولى، بالبحث حوله عن رفقاء لرحلته في الحياة، من الكائنات الحية الأخرى، أو من النبات والأشجار، بهدف تحريك رتابة هذه الرحلة، وزخرفة وسائلها ومتطلباتها واحتياجاتها لتبدو أكثر جمالاً وشهية وحيوية وقبولاً وتجديداً.

ولأن التكنولوجيا طغت على كل شيء في حياة الإنسان المعاصر، وبات يعمل ويعيش ويتحرك ويلبس ويأكل ويشرب، بمعطياتها وإفرازاتها الأكثر من أن تُحصى هذه الأيام، ولّدت حالة من العزل القاسية بينه وبين الطبيعة والبساطة وضاقت الفضاءات الرحبة التي كانت روحه تحلق فيها، وغابت أو تكاد، نزعة الرومانسية النقية التي كان بها ومن خلالها، يتوازن مادةً وروحاً. وللتحايل على البرودة والقسوة والعزلة التي خلفتها التكنولوجيا في حياته (رغم أنها سهلت إلى حد كبير هذه الحياة ويسّرتها وحوّلت ثورة الاتصالات البصريّة العالم إلى قرية كونيّة صغيرة) أخذ الإنسان يستعيد علاقته بالطبيعة ويوّثقها، ويُدخل مظاهرها المختلفة إلى بيته ومكان عمله، سواء بشكل مباشر (الورود، النباتات، الأشجار)، أو غير مباشر (حيث قام باستلهام عناصر الطبيعة واختزالها إلى أشكال، وإدخالها إلى مكان سكنه وعمله وقضاء عطلته) وطعم بها الأشياء والأدوات التي يستخدمها في حياته اليوميّة، ممثلةً بالزخارف النباتيّة والهندسيّة والتزاويق المختلفة التي أخذت فيما بعد، دلالات ورموز، جسدت موروثه الفكري والجمالي وعكست معتقداته وعاداته.

في البداية، بحث الإنسان عما يرد به على حاجاته الماديّة الأساسيّة والضروريّة، التي تمكنه من الاستمرار في العيش، كالأكل والشرب، ثم عن الوسائل والأشياء التي تسهل عليه القيام بهذه العمليّة (الفيزيولوجيّة) البحتة، كالصحن والملعقة والكأس والقِدر وغيرها، وعندما بدأ يضيق ذرعاً بأشكال هذه الأدوات التي تصافح عيونه في كل الأوقات، لجأ إلى تحسين أشكالها وموادها وخاماتها، ليتمكن من استعمالها بسلاسة، ثم أضاف إليها، الزخارف والتزاويق، ليأخذ شكلها في نفسه وقعاً، أكثر جمالاً وقبولاً واستحساناً، مضيفاً بذلك وظيفة جديدة إليها هي (الوظيفة الجماليّة) التي سرعان ما توافقت وتماهت بالوظيفة الاستخداميّة، لتصبح حاجةً جميلةً، تؤدي مهمتين في آن معاً: الأولى استعمالية، والثانية جماليّة.

تزويق وسيلة النقل

في مقدمة الأشياء التي طاولها التزويق والتجميل في حياة الإنسان، وسيلة النقل التي اقتصرت في البدايّة على الحيوان مثل الأحصنة والحمير والبغال والجمال والفيلة، ثم انتقلت هذه الظاهرة إلى المركبات العامة والخاصة، كالعربات، والسيارات، والدراجات، والموتوسيكلات، والبواخر، والقطارات، والطائرات.

بمعنى أن عملية تزيين وتزويق وزخرفة (الدابة القديمة الحيّة) التي كانت تسعف الإنسان في أسفاره، وتنقلاته وقضاء بعض أعماله انتقلت إلى (الدابة الجامدة) لا سيما في بلادنا العربية والبلاد المجاورة لنا كتركيا وإيران وباكستان والهند.

حيث لا تزال هذه الظاهرة مستمرة وتطول الدابتين معاً، إذ ما زلنا نرى داخل وخارج وسائل النقل الكثير من الكتابات والعبارات والتزاويق والإضافات، التي ينفذها مالكها أو سائقها، وفق ميوله وأفكاره ومعتقداته وذائقته الجماليّة، باعتبار هذه الوسيلة مملكته التي يُصّر على أن يلبسها ذوقه، وهذا الأمر يطول السيارات الخاصة والعامة، الكبيرة (الباصات والحافلات) والصغيرة (التكسيات) وفي نفس الوقت، لم يتخل هذا الإنسان عن عملية تزويق وتزيين وتجميل حيواناته التي ترافقه حياته.

عقليّة واحدة

وهكذا نجد، أن العقليّة التي كانت تُزوّق وتزيين وتُجمّل وسيلة النقل الحيّة القديمة، عادت لتمارس هذا الفعل مع وسيلة النقل الجديدة، ما يؤكد أن العقلية التي تقود هذا الفعل لم تتغيّر، وإنما الذي تغيّر هو مكان ممارسة هذا الفعل الذي قد يمتد ليشمل مجالات أخرى، في حياة الإنسان الشعبي البسيط والتلقائي، كمنزله ومكان عمله، ومصدر عيشه، مثل عربات الجر التي يستخدمها الباعة الجوالون، وصناديق ماسحي الأحذية، وأركان وزوايا بيع الثمار والخضروات الموسميّة في شوارع المدن والبلدات مثل: البطيخ الأحمر والأصفر، والصبارة والفستق الحلبي و«عرانيس الدرا» والكستناء وغيرها.

من جانبٍ آخر تشكل ظاهرة تزويق وتزيين الحيوان من قبل الإنسان الشعبي، حالة من حالات التقرب والشكر والتودد إلى هذا الكائن الذي يؤدي له جملة من الخدمات والمهام والمساعدات، ولنفس الهدف والغاية، انتقلت هذه الظاهرة إلى (الحافلة الآلة) وسيلة ركوب ونقل كانت أم آلة حراثة أم رافعة أم آلة حفر وتعزيل، حيث يرجو الإنسان الشعبي من خلال تزويقها وتزيينها وترصيعها بعبارات الحب والتبريك واسم الجلالة ورسوله الكريم، دوام نعمتها عليه، والدعاء إلى الله وملائكته لمباركتها وصونها من عين الحاسد وتجنيبها الحوادث، وحمايتها من الأخطار المختلفة، لكي تستمر في خدمته كما يحب ويرغب.

حدائق متنقلة

بعض السائقين حول (كابينات القيادة) في سياراتهم، إلى حدائق حافلة بالنباتات والورود والأزاهير وأعشاش العصافير، ووسائل تناول المشروبات الباردة والساخنة، إضافة إلى صور العائلة والأهل والفنانين المعجبين بهم.

التواصل مع الآخر

يعتقد البعض أن رفع بعض السائقين العبارات والحِكم والأمثال والمعلومات على سياراتهم وحافلاتهم المرتبطة باسمٍ حبيبٍ إليه كماركة الحافلة التي لا يخفي اعتزازه بها، أو اسم محبوبته أو أحد أبنائه أو زوجته هي محاولة للتواصل مع الآخر من خلال عبارة تختزل حكمته في الحياة، وتعكس اهتماماته وهواياته واعتداده بشخصية تاريخيّة أو سياسيّة، أو عشقه لمطرب أو مطربة، أو أغنية أو الإشارة إلى مسقط رأسه أو وطنه... الخ.

كرنفال التزيين

يعتمد العرسان على أصحاب الخبرة الاجتماعية في معرفة الآخرين والتوصل إلى أمزجتهم الاجتماعية، كي يكون التزيين كرنفالاً يعكس الوجه الحيوي في الثقافة الاجتماعية للعرسان وبالتالي يعكس المهارة الفردية في تطويع أقل الأدوات وجعلها واجهة لليلة فرح مزدانة بألوان مطلوبة في حالة كهذه.

البهرجة والألوان

الكثير من البهرجة تضفي أنواعاً من الأحاسيس على التلقي العام، كما تشي بالنوع الثقافي الشعبي السائد في أية منطقة آسيوية تسود فيها أفكار شعبية معينة تنعكس على الذوق العام فالأشرطة القماشية الملونة وباقات الورد الصغيرة والنشرات الضوئية والبالونات الملونة وبقية الاكسسوارات من ورق ملون هي عماد الزينة في حالات الأعراس، كديكورات مطلوبة لإضفاء تغيير آني على السيارة التي تقل العروسين.