منذ أن تعرفت على قرية الحيرة في بداية الثمانينات، اكتشف بين الحين والآخر أعمدة شعرية عملاقة فيها، وقد نقلت الحيرة إلى عدة باحثين لم يبخلوا بالكتابة عنها مثل الشاعر اللبناني محمد عبدالله والناقدين د. يوسف نوفل ود. محمد حور وغيرهما بالإضافة إلى أبناء الإمارات الذين كتبوا عن هذه البقعة وشعرائها أمثال عبدالله عبد الرحمن، وبلال البدور، والمرحوم حمد بوشهاب وغيرهم، والدراسات تلك على تعددها ولكنها ليست كثيرة لأن الحيرة الواقعة على البحر بين الشارقة وعجمان كانت بقعة شعرية ولد فيها رجال صنعوا تاريخ هذه المنطقة ورجال أعمال ساهموا في تأسيس اقتصاد البلاد.
وآل العويس، أو من ندعوهم بالعويسات لهم حصة كبيرة في الحيرة، فهي مسقط رأس معظم رجالها المعروفين والذين أثروا الحياة عامة في الإمارات وبكل جوانبها الثقافية والاقتصادية عبر أجيال مختلفة، أذكر منهم هنا شاعراً لم نذكره منذ سنوات، هو الشاعر المبدع حمد بن عبدالله بن سلطان العويس الذي ولد في الحيرة أيضاً عام 1914 كما يؤرخ ذلك الشاعر الراحل حمد بوشهاب رحمه الله، والذي جمع ديوانه وحققه وكتب له مقدمه وأصدره عام 1986.
مما يذكر عن هذا الشاعر المبدع أنه وإن ولد في الحيرة حضرياً وعاش في الشارقة تاجراً، إلا أنه كان بدوي الهوى والنزعة، بل والإقامة كلما أتيحت له الفرصة معايشاً لأهلها ومصاهراً. حمد العويس لم يكن شاعراً تقليدياً، أو قوالاً للقصيدة بل كان مبدعاً في جنسه الذي أخلص في شدوه وفي غنائه الذي كان موازياً لغناء الطبيعة من حوله، فكلما كانت تكويه الأحزان لبعد حبيب شدا وغنى، وكلما أثارته الهواجس واللواعج صاغ في ذلك شعراً رقيقاً جزلاً مهذباً يجمع ما بين عفة البداوة، ورقة الحضارة فهو بدوي حضري لا يدري أين يولي وجهه.
يا هل النوق المدايد
لي قبّلن جدواي
هاتوا خبر الوكايد
لي من عزمتوا ياي
جود أتهون الشدايد
واللي خطف مناي
يا مزيون العوايد
لي بالحياء مجساي
لم يكن حمد العويس بدعاً في الشعر، ولم تقتصر أشعاره على الغزل إنما له في النسيب قريحة تفتحت منذ صباه، وكان متأثراً بكبار شعراء العرب الكلاسيكيين، أمثال عباس بن الأحنف، وعمر بن أبي ربيعة، وغيرهما من الأعلام. ان قصائد حمد العويس الغزلية بالذات تجمع ما بين عذوبة الماء، وروعة الخضرة، وجمال الوجه، حتى قيل ان كل هذا جاء في دفتي ديوان العويس، ولا عجب فآل العويس شعراء بالفطرة، فنانون بالميلاد، طيبون بالوراثة.
