«قارة منسيّة» كتاب للمؤلف مايكل ريد يبحث مشاكل أميركا اللاتينية ويناقش المصطلح الظالم الذي يقول إن هذه المنطقة من العالم «محكوم عليها دائما بالفشل» خصوصا انها تشكل مساحة مترامية الأطراف من اليابسة على الصعيد الكوني، ويسكنها نصف مليار من البشر، وتحتوي على أكبر احتياطي عالمي من الأراضي القابلة للزراعة، إلى جانب القارة الإفريقية القارة الفقيرة. هذا فضلا عن أنها تمتلك 5,8 بالمئة من الاحتياطي البترولي المثبت في العالم. هذه القارة هي، كما يصفها المؤلف، بصدد القيام بتحوّلات جوهرية يمكن أن تغيّر كثيرا من المشهد الاقتصادي والسياسي فيها.

ويرى المؤلف أن أميركا اللاتينية قد قامت منذ منتصف عقد السبعينات الماضي حيث كانت الأغلبية الساحقة من أنظمتها ذات طبيعة دكتاتورية بتغييرات جوهرية حيث أن الأغلبية الساحقة من هذه البلدان ? مع استثناء كبير تمثله كوبا- ذات طبيعة ديمقراطية «متأقلمة مع الأوضاع الداخلية لكل منها». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى واقع وجود عمليات تزوير كبيرة في الانتخابات حيث يذكر المؤلف مثال المكسيك على يد «الحزب الثوري الدستوري».

كذلك تتم الإشارة إلى إعادة صياغة الدستور في عدد من الحالات بحيث يبرز ميل نحو «الرئاسة المستدامة» كما في حالتي شافيز في فنزويلا والبرتو فوجيموري في البيرو. ويعتبر المؤلف في نفس السياق أيضا أن كوستاريكا، تمثل أحد أكثر الديموقراطيات صلابة وحيث سعت إلى تعزيز الديموقراطية عبر نزع السمة العسكرية عن النظام والتنمية الانتقائية وتبنّي التركيز على التربية وعلى حرية الصحافة.

ويدرس مايكل ريد أيضا ما يعتبره «تحديا» من نوع آخر ويتمثل في تعاظم النزعات «الشعبوية» التي يمثلها بشكل خاص هوغو شافيز الرئيس الفنزويلي الذي لا يتردد في التلويح بسلاح البترول في وجه النزعات الأمريكية لفرض النفوذ على منطقة أميركا اللاتينية المجاورة. وبكل الحالات يؤكد المؤلف في تحليلاته أنه من الأفضل للجميع نجاح مشروع التحديث والتنمية الاقتصادية في أميركا اللاتينية. ذلك أن الفشل يعني زيادة في تدفقات المهاجرين غير الشرعيين والمخدرات إلى الولايات المتحدة الأميركية خاصة، ولكن أيضا إلى البلدان الأوروبية الغنية. ثم إن الفشل يعني أيضا هز استقرار منطقة غنية بالبترول وبالمنتجات الإستراتيجية الأخرى.

ويؤكد مايكل ريد بالمقابل أن أفضل مقاربة يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية حيال أميركا اللاتينية تتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي عبر التأكيد على التبادل التجاري الحر. وبذل المساعي الحقيقية لكل ما من شأنه أن يقوّي المؤسسات الديمقراطية، وتتم الإشارة إلى القمّة التي نظمها الرئيس بيل كلنتون عام 1994 لقادة القارة الأميركية من أجل إنشاء منطقة حرّة بين بلدانها. لكن ذلك لم يتحقق أبدا على أرض الواقع، كل ما حصل هو اتفاقيات ثنائية مع البيرو مثلا، ولكن بعد تلكؤ طويل.

إن الإجراءات التي اتخذتها بلدان أميركا اللاتينية حيال تحرير الأسواق والتقشف في الميزانيات والخصخصة أدّت بشكل عام إلى «وضع حالة من النظام في الاقتصاد» بالعديد من بلدان «القارّة المنسية». ويؤكد المؤلف أن الالتزام الأكثر أهمية كان في مسعى «تحقيق العدالة أكثر وتقليص الفقر واللامساواة». ويؤكد الكتاب أن هذه «الآفات» ليست مستعصية على قهرها، مع وجود المساعدات الخارجية. ثم إن البلدان المعنية قد نجحت بأغلبيتها، خلال العقود الأخيرة، في الانتهاء من الحروب الأهلية ومن المجازر الجماعية ومن الدكتاتوريات العسكرية.

ومع تأكيد المؤلف على وجود مؤشرات عديدة على التقدم الكبير الذي حققته بلدان أميركا اللاتينية. فإنه يشير إلى وجود عشرات الملايين من البشر لا يزالون يعيشون في حالة بؤس مدقع في أميركا اللاتينية. ويشير أيضا إلى دور «الإرث التاريخي» الاستعماري على السكان الأصليين للمنطقة ممن صنعوا حضارات «المايا» و«الازتيك» و«الأنكا». وكانت الهجرات قد فرّغت البلدان المعنية من كثير من إمكانياتها، لكنها عوّضت ذلك جزئيا عبر مليارات الدولارات التي يحوّلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية.

إن مايكل ريد يعتمد على سنوات عديدة أمضاها في مدن أميركا اللاتينية وسهولها وقصورها وأحيائها القصديرية، وعلى مختلف أنواع الوثائق كي يقدم صورة لقارة «ديناميكية» تناضل كي تأخذ موقعها في العالم «المعولم».

التصدي للتحديات

أن «القادة الديمقراطيين» في بلدان أميركا اللاتينية ، بما في ذلك البلدين الكبيرين المتمثلين في البرازيل والمكسيك، ينتهجون سبل التحديث بغية تحقيق قدرا أكبر وأسرع من النمو الاقتصادي ومن الديمقراطية السياسية على «أسس جديدة»، مع محاولة التصدّي للتحديات الحقيقية الكبرى التي تواجهها المجتمعات المعنية وليس أقلها تهديدا الفقر والتفاوت الاجتماعي الهائل والظلم الاجتماعي والخلل في توزيع الثروة.

المؤلف في سطور

مايكل ريد هو رئيس التحرير المسؤول عن شؤون القارة الأميركية في مجلة الايكونوميست». كان قد عمل لسنوات طويلة في العديد من بلدان أميركا اللاتينية والجنوبية من بينها البرازيل والمكسيك والبيرو. وساهم في الكتابة مع «الغارديان» البريطانية ومع قناة ال«بي.بي.سي» منذ عام 1982.

الكتاب: قارة منسية أميركا اللاتينية

تأليف: مايكل ريد

الناشر: جامعة يال 2008

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

Forgotten continent

Michael Reid

Yale University Press- 2008

P.384