في استثناء نادر من القاعدة، أفلحت صحيفة «غارديان» اللندنية في إجراء هذه المقابلة مع الروائية الأميركية توني موريسون، التي درجت على الاعتذار عن عدم إجراء الحوارات الصحافية، وكانت مناسبة هذا الاستثناء إصدار أول رواية لموريسون منذ خمس سنوات وهي بعنوان «رحمة» حيث ألقت الضوء على روايتها الجديدة وعلى مشروعيها المقبلين اللذين تشتغل عليهما في الوقت نفسه، وأوضحت أنها لن تكتب مذكراتها لأن حياتها خالية من المغامرات والمخاطر، وتطرقت إلى الأسئلة الأكثر أهمية التي يطرحها مجمل عملها الروائي والنقدي. وفيما يلي نص الحوار:
لدى الحديث عن انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، تبادر توني موريسون إلى الإشارة إلى أنها لم تكن تعرفه ولكنها ما لبثت أن أيدته في المنعطف الأكثر أهمية من حملته الانتخابية. وتقول في هذا الصدد: «لم أكن أعرفه. وإنما كنت أعرف هيلاري كلينتون حق المعرفة، وأحبتها حقاً وأعجبت بها على امتداد سنوات طويلة». وفي المرحلة الأولى التي أتصل فيها بها أوباما هاتفياً طالباً منها دعمه اعتذرت له، ولكنهما تجاذبا أطراف الحديث مطولاً، غير أنها ما لبثت أن غيرت رأيها، وكتبت رسالة تأييد له تشع بالإشادة بما يتسم به من حكمة وبصيرة.
في رواية «رحمة»، التي تعد أول رواية لموريسون منذ خمس سنوات، تكتب عن العبودية بصورة مباشرة للمرة الأولى منذ روايتها «محبوبة» الصادرة عام 1987. وهي تقول عن روايتها الجديدة إنها محاولة لفصل العنصرية عن العبودية «لتبين كيف بنيت وغرست عمداً لحماية الطبقة الحاكمة» من «قوة العمل غير مدفوعة الأجر» التي اعتمدت ثروتها وحضارتها عليها.ويتمثل إنجاز موريسون الكبير، على امتداد حياة عملية شملت أربعة عقود من الزمن وتسع روايات شهيرة، الجمع بين استبصار نفسي عميق ونقد قوي وأصيل للتاريخ الأميركي.
وهي تقول في هذا الشأن: «إن كتبي هي على الدوام أسئلة بالنسبة لي. ماذا لو أن؟ ما الذي يشبهه الشعور بأن.؟ كيف يبدو الأمر لو أنك استبعدت العنصرية؟ ما الذي سيبدو عليه الأمر لو أنك كانت لديك البلدة المثالية وكل ما تريده فيها؟ وهكذا فإنك تطرح الأسئلة وتعثر على الناس الذين يصيغونها وتحاول أن تجعلهم مثيرين للاهتمام. وكل ما تبقى هو هيكل أو بنية أي كيف تضع كل هذه الأمور معاً».
وتنتقل موريسون إلى الحديث عن نشأتها في الغرب الأميركي الأوسط فتقول: «كنا غارقين بشدة في ثقافة أميركا الإفريقية، ولذا فقد كانت العبودية موجودة هناك. ولكن الضغط لم يكن متمثلاً في تذكرها، وإنما في تجاوزها. ولذا فعندما كنت عاكفة على تأليف «محبوبة» كان النسيان جزءا من معمار الرواية».
وعندما لم يقدر لرواية «محبوبة» الفوز بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية بادرت مجموعة مؤلفة من 48 ناقد وكاتباً أميركياً من أصول إفريقية من بينها مايا انجيلو وأليس ووكر إلى الكتابة في صحيفة «نيويورك تايمز» للإشادة بموريسون، وسرعان ما حصدت الرواية جائزة بوليتزر.
وبادرت موريسون، التي كانت على تمام الوعي بأن كتابات السود والنساء تتعرض للاستبعاد من التيار الرئيسي للإبداع الأميركي، إلى القول إنها بعد فوزها بجائزة نوبل للأدب في عام 1993 أحست بأنها قد كسبت ترخيصاً بالتباهي، على حد تعبيرها. وقد حظيت موريسون بمؤيد مهم لإبداعها في صورة أوبرا وينفري التي اختارت أربعاً من رواياتها لناديها الشهير للكتاب، الأمر الذي ضمن لها مبيعات هائلة. كما قامت أوبرا بإنتاج فيلم مقتبس عن رواية «محبوبة» ولعبت دوراً مهماً فيه عام 1998.
وقد قامت موريسون قبل سنوات قلائل بشراء دار في الشارع الرئيسي في برنستون، وهو جادة ممتدة يقوم الحرم الجامعي على أحد جانبيها وعلى الجانب الآخر تمتد أبنية ذات طراز معماري كولونيالي تضم مكتبات ومطاعم ومحالا لبيع الآيس كريم. وقد قامت بتأثيث الطابق العلوي من دارها لسكني حفيدتها. وتقول: «إنها غرف كلاسيكية للفتيات الصغيرات بكل ما فيها من وسائد وما إلى ذلك.. وأنا أعرف أن هذا ترف فحسب، لكنه كان ممتعاً لنا».
والمفارقة مع طفولة فوريسون في أوهايو لا يمكن أن تكون أعظم من ذلك، وهي تقول في هذا الصدد: «كانت هناك مصانع وترسانات ومعامل للصلب، وناس يقبلون من كل مكان للعمل».وهي تتذكر أيام شبابها فتقول إنها «كنت أحس كما لو أنني أرستقراطية». ولدي سؤالها عما إذا كانت تتذكر الوقت الذي بدأت تدرك فيه أنها سوداء، وما إذا كانت قد عانت، شأن بطلاتها، من الشعور بالحنق وعدم الأمان، فإنها ترد بحدة: «ليس هذا هو السؤال، وإنما السؤال هو متى شعرت لأول مرة بأنك أبيض وأدركت ما يعنيه هذا».
وفي معرض التطرق إلى دروس الماضي تشير إلى أن أبويها كانا منقسمين بعمق، وتضيف: «لم يثق أبي قط بأي شخص أبيض على الإطلاق، ولم يسمح لأي أبيض بدخول داره. وتعتقد موريسون أن التشديد من جانب النقاد على العرق في كتاباتها يعني أن هناك جوانب أخرى فيها لم تتلق ما تستحق من اهتمام، فالأسئلة التي تطرحها في كتبها لها أبعاد أخلاقية وفلسفية عميقة. ما الحب؟ هل يمكن لامرأة أن تبرأ من قتلها لطفلتها؟ ما الذي يعنيه أن تلقى الغفران؟
وفيما يتعلق بالمستقبل، فإن موريسون لا تنظر بكثير من الارتياح أو الحماس لجولتها المقررة للترويج لروايتها الجديدة، وهي تأمل أن ينضم إليها ابنها فورد في القيام بهذه الجولة، ولكن مصدر العزاء بالنسبة لها هو أن هناك روايتين تعمل عليهما، وإحداهما على الأقل تشكل انتقالاً حاداً بالنسبة إليها، فهي لم تصغ رواية في الحاضر إلا رواية «طفل القار» الصادرة عام 1981. وتقول «لدى كتابات سريعة من هذين العملين تنتمي إلى الحاضر بقوة ووضوح».
على امتداد أربعين عاماً عكفت موريسون على الكتابة بحماس عن الحياة العاطفية في ظل أصعب الظروف وعن مختلف تجليات الحياة العائلية. وقد أنجبت من زوجها المهندس المعماري الجامايكي هارولد موريسون، الذي طلقت منه بعد زواج دام ست سنوات، ابنين. وتقول إنها لم تفكر قط في الزواج مجدداً، وأنها لا تفكر في كتابة مذكراتها.
أما في معرض تبرير قرارها الأخير فتقول: «هذه المذكرات ليست مثيرة للاهتمام، فحياتي خالية من المغامرات والمخاطر. إن حياة الذهن مهمة. ولكن كل هذه التقلبات والهنات الأخرى؟ دعنا نبادر إلى إعفاء القراء من إزعاجها وما تحفل به من ضجر».
المؤلفة في سطور
ولدت الروائية الأميركية توني موريسون في 18 فبراير 1931 في لورين بولاية أوهايو وتخرجت من جامعة هوارد عام 1953 وحصلت على درجة الماجستير في الأدب الانجليزي من جامعة كورنيل عام 1955.
أصدرت روايتها الأولى «العيون الأكثر زرقة» عام 1970، لتكون الأولى في تسع روايات أشهرها «سولا» الصادرة عام 1973 و«أنشودة سليمان» الصادرة في 1977 و«محبوبة» الصادرة في 1987 ومؤخراً «رحمة» التي أثارت اهتماماً كبيراً في صفوف القراء والنقاد.حصلت موريسون على العديد من الجوائز وألوان التقدير، أبرزها جوائز نوبل في الأدب وبوليتزر واتحاد الكتاب العالمي وحلقة نقاد الكتاب الوطني الأميركي، وقد حصلت على الدكتوراه الفخرية في الأدب من جامعة أكسفورد عام 2005.
منى مدكور
